موضعه قعد ، ولم يسلم على ذي الرئاستين ، وفي يدي ذي الرئاستين كتاب يكتبه ، وهو مقبل عليه ، فلما فرغ منه التفت إلى هرثمة ، فقال : مرحبا وأهلا وسهلا يا أبا حاتم ، أسعدك اللّه بمقدمك ، وعظم بركته عليك ، فلم يرد عليه هرثمة شيئا ، ثم قال : اني قد عرفت أمير المؤمنين - أعزه اللّه - خبرك وأن ما حملت نفسك عليه من الدخول بغير اذن لغير معصية منك ، وصرفت ذلك إلى أحسن الجهات ، فقبل ذلك ، ورجع عما سبق إلى قلبه منه ، فلم يكلمه هرثمة . ثم قام ذو الرئاستين ، فدخل إلى المأمون ، ثم خرج وقال : يا أبا حاتم ، قد عرفت أمير المؤمنين مكانك ، والحال التي أنت عليها من العلة ، وأنه لا يمكنك الوصول اليه الا على الحال التي وصلت عليها الينا ، فلم يكلمه ، ثم أذن له المأمون ، فدخل عليه ، فبره وأقبل عليه ، وأمر بأن يطرح له كرسي إلى جانبه ، وأقبل عليه بوجهه يحدثه ويسائله ، ويدعوه بكنيته ، ودخل ذو الرئاستين ، فطرح كرسيه ، وقعد عليه . قال : فقال المأمون : يا أبا حاتم ، ما كان لتجشمك هذا السفر مع علتك معنى ، فقال :
بلى ، يا أمير المؤمنين ، تجشمته لأقضي حق اللّه علي في طاعتك ، وأنبهك على أمرك ، وأقول بالتنصح لك ، فقال : يا أبا حاتم ، ليست بك حاجة إلى هذا وأنت تعب ، فانصرف إلى منزلك ، قال : كلا ، يا أمير المؤمنين ، ما تجشمت طول السفر لأنصرف إلى منزلي ، قال : بلى ، يا أبا حاتم ، أحب أن تنصرف إلى منزلك ، وتدع ذكر ما لا نحتاج اليه ، وما أنت عنه غني ، قال :
لا ، يا أمير المؤمنين ، أو أقضي الحق علي في نصحك ، لأني لا آمن أن يحدث علي في هذه الساعة حادثة ، فألقى ربي مقصرا في حق امامي ، ثم التفت وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت هذا المجوسي - يعني ذا الرئاستين - في هذا المجلس ، على كرسي ، ثم قال : يا أمير المؤمنين : ما لمسرور وسلام يحبسان بغير ذنب ، ويأخذ هذا المجوسي أموالهما وأمتعتهما فيبيعها ويمزقها ! قال له : يا هرثمة ، وترك الكنية ، أمنعك عن ذكر ما لا تحتاج اليه ، وغضب المأمون ، فقال : لا واللّه ، أو يدفع الينا هذا المجوسي ، فننزل به ما يستحقه ، فقال له ذو الرئاستين : وما أنت وهذا يا علج ! ؟ خذوا برجله وجروه ، فتبادر الناس إلى هرثمة ، وأخذوا برجله ، وجروه من بين يدي المأمون ، وحبس ثمانية أيام ، وقتل ، ثم أخرج في اليوم الثامن ميتا في لبادة .
قال :
ودخل على المأمون محمد بن سعيد بن عامر أحد قواد هرثمة ، فقال :
الوزراء والكتاب — صفحة 206
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٢٠٦