السلام عليك يا أمير المنافقين ، فوثب اليه ذو الرئاستين فضربه بسيفه حتى قتله . وكان فيمن حضر مجلس ذي الرئاستين قبل دخول هرثمة إلى المأمون ، أحمد بن أبي خالد ، فقام وقال : يا أيها الأمير - يعني ذا الرئاستين - ان سيوفنا قد ظمئت إلى دم هذا العاصي الخائن الخانع ، وبسط لسانه في هرثمة ، ونال منه أيضا بحضرة المأمون .
ولما دخل الرستمي على الفضل بن سهل بعد معصيته ، قال له الفضل : ان كنا نرى العفو عمن لم يتقدم بحسنة في طاعتنا ، ولم يأل جهدا في مخالفتنا ، فأنت بالعفو أولى ، لتقدم طاعتك ، وأنك لم تغرق في مخالفتك ، ولعل حادث ذنبك يذهب طرفا من دالتك ، ويحدث زيادة في حبك ومناصحتك .
حدّث الحسن بن سهل ، قال : حدثني : عبد اللّه بن بشر ، قرابة الفضل ، وكان يخصه ويؤنسه :
أن الفضل كان إذا دخل من السيب إلى مدينة السلام لحوائجه ، نزل على رجل فامي ، يقال له خذابوذ ، وكان يخدمه هو وزوجته وولده ، ويقوم بحوائجه ، وأنه مكث بذلك زمانا ، ثم تهيأ من أمر الفضل ما تهيأ ، وتغيرت حال الفامي ، وتنكر الزمان له ، فذكر الفضل وما صار اليه ، ومكانه بخراسان ، فتحمل المشقة في قصده ، على ظلع وتمحل لنفقته ، فقصد عبد اللّه بن بشر . قال عبد اللّه : فلما رأيته سررت به ، وسألته عن حاله ، وأنكرت عليه تأخره ، مع حرمته وحقوقه ، وأمرت له بثياب ، وأصلحت شأنه ، وكان ذلك بعقب ورود فتح بغداد ، وابتداء صلاح الأمور وانتظامها ، فدخلت على الفضل وقد دعا بطعامه ، وحضر مؤاكلوه ، من أهله وجلسائه ، قال : فلما ابتدأ بالاكل قلت : أليس تعرف الشيخ الفامي الذي كنا ننزل عليه ببغداد ؟ قال لي : سبحان اللّه ! تقول لي : تعرفه ! انما ينبغي أن تسألني عن اسم امرأته وصبيانه ، وكيف يمكنني أن أنساه وله من الحق علينا ما قد علمته ! وكيف ذكرته البائس ؟ أظن انسانا أخبرك بموته ؟ فقلت له : كلا ، بل هو واللّه في منزلي . فلما سمع كلامي استطير فرحا ، ثم قال : جيئوني به الساعة ، ثم رفع يده ، وقال : لا نأكل واللّه لقمة حتى تجيء به . قال :
فحين نظر اليه ، تطاول له ، وقال : أبا فلان ! وأوسع فيما بينه وبينه ، ثم أقبل عليه اقباله على أخ شقيق ، ثم قال له : يا هذا ، ما حبسك عنا طول هذه المدة ؟ فاعتذر اليه ، وذكر محنا أتت عليه ؟ ثم أقبل يسأله عن واحدة واحدة من بناته ، وعن كل شيء كان يعهده ؟ فقال : ما بقي لي بعدك ولد ولا
الوزراء والكتاب — صفحة 207
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٢٠٧