عليه في الرأي والمشورة . فكتب اليه يخبره انه قد كثر في خواصه وعسكره قوم ليس يأمنهم على نفسه ، لما يرى من بعد هممهم وشجاعتهم ، وشذوذ آلتهم ، وليس يرى لهم عقولا تفي بهذه الفضائل التي فيهم بقدر هممهم .
فكتب اليه أرسطاطاليس :
فهمت ما ذكرت عن القوم الذين ذكرت . فأما هممهم ، فمن الوفاء بعد الهمة ، وأما ما ذكرت من شجاعتهم مع نقص عقولهم ، فمن كانت هذه حاله فرفهه في المعيشة ، وأخصصه بحسان النساء ، فان رفاهة العيش توهى العزم ، وان حب النساء يحبب السلامة ، ويباعد من ركوب المخاطرة ، وليكن خلقك حسنا ، تستدع به صفو النيات ، واخلاص المقالات ، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط أصحابك مثله ، فليس مع الاستئثار محبة ، ولا مع المؤاساة بغضة .
وأوصى أبرويز ابنه شيرويه وصية طويلة ، قال في فصل منها :
وليكن من تختاره لوزارتك امرأ كان متضعا فرفعته ، وذا شرف كان مهتضما فاصطنعته ، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتضع عنها ، ولا امرأ أطاعك بعد ما أذللته ، ولا أحدا يقع في خلده أن إزالة سلطانك خير له ، وأدعى إلى ثبوته ، وإياك أن تستعمل ضرعا غمرا ، ولا كبيرا مدبرا ، قد أخذ الدهر من عقله ، كما أخذت السن من جسمه .
وكانت الفرس تقول :
للوزير على الملك ، وللكاتب على الصاحب ، ثلاث خصال : رفع الحجاب عنه ، واتهام الوشاة عليه ، وافشاء السر اليه .
وفي كتاب من كتب الهند :
إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس ، فليصرعه الملك ، فإن لم يفعل ، فليعلم انه المصروع .
ومما استحسنه من شدة التحرز ما حكى في كتاب من كتب الهند :
انه أهدى إلى بعض ملوكهم حلى وكسوة ، وبحضرته امرأتان من نسائه ، ووزير من وزرائه . فخير احدى امرأتيه بين اللباس والحلية ، فنظرت المرأة إلى الوزير كالمستشيرة له ، فغمزها بإحدى عينيه على أخذ الكسوة ، ولحظه الملك ، فعدلت عما أشار به من الكسوة ، واختارت الحلى ، لئلا يفطن الملك للغمزة ، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه ، ليظن الملك أنها عادة وخلقة .
واستشار سابور ذو الأكتاف وزيرين كانا له ، في أمر من أموره ، فقال له أحدهما :
لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا الا خاليا ، فإنه أموت للسر ،
الوزراء والكتاب — صفحة 13
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١٣