فاكتفوا من دين المرء وورعه ، بأن يكون للكبائر والفواحش مجتنبا ، ومن الاصرار على العسف والظلم مستوحشا ، ومن أمانته وعفافه أن يكون عما يعرض له من طمع ، وأمر في دخوله ظاهر نقص أو ضرر ، متنزها ، ومن غنائه ونفاذه أن يكون بالعمل الذي تستعينون به فيه مضطلعا ، وأن لا يضيع لكم فيما يلي من أموركم حقا وأعلموا أن لكم أعمالا يكفيكموها من دونكم ، وأعمالا لا يضطلع بها سواكم ، فاعرفوا حدود ذلك ، ولا تتكلفوا ما يكفيكموه من تحت أيديكم ، ولا تكلفوا ما يجب عليكم النظر فيه من سواكم ، فان حدث لكم فراغ بعد قضائكم ما عليكم ، فاستعينوا بالتودع والراحة على ساعات الشغل .
وكان كشتاسب يقول للكتاب :
ألزموا العفاف ، وأدوا الأمانة في كل ما يفوض إليكم ، واجمعوا على غرائزكم وعقولكم سماع الأدب ، واستعملوا ما استفدتم من الأدب بما طبعت عليه عقولكم ، وليكن اجتباؤكم بالقسط والمعدلة ، ولا تزينوا لنا ما لا تليق بنا الأحدوثة به ، والايثار له .
ولما ملك أبرويز بن هرمز جمع رعيته وخطب عليهم خطبة ، قال في فصل منها يخاطب وزيره :
أكتم السر ، وأصدق الحديث ، واجتهد في النصيحة ، واحترس بالحذر ، فعلى الا أعجل عليك حتى استأنى ، ولا أقبل عليك حتى أستيقن ، ولا أطمع فيك فاغتالك .
وحكي أن الجور كثر في أيام الملك أنو شروان ، فقال له موبذان موبذ :
أيها الملك ، اني سمعت فقهاءنا يقولون : انه متى لم يغمر العدل الجور في بلدة ، ابتلى أهلها بعدو يغزوهم ، وخيف تتابع الآفات عليهم ، وقد خفنا ذلك بشيء قد فشا من جور أسبابك .
فنظر أنو شروان في ذلك ، فاستقر عنده أن ظلما وجورا قد جرى ، فصلب ثمانين رجلا منهم ، من الكتاب خمسون رجلا ، ومن العمال والامناء ثلاثون رجلا .
وكانت الأكاسرة بعد أنو شروان تقول لأهل الخراج :
من كره منكم الأداء إلى العمال ، فهذا بيت مالنا فأدوا اليه . فلم يكن عامل يبسط يده إلى ظلم أحد ، خوفا من عدول الرعية إلى بيت المال بأداء الخراج ، فيستدل بذلك على مذهبه .
ولم يكن يركب الهماليج في أيام الفرس الا الملك والكاتب والقاضي .
وكان أرسطاطاليس أدّب الإسكندر ، فلما نشأ الإسكندر وعلا ، وعرف من أرسطاطاليس ما عرفه من الحكمة ، كان شبه الوزير له ، وكان يعتمد
الوزراء والكتاب — صفحة 12
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١٢