وأرى رجالا ينهشونك بعد ما * أغنيتهم من فاقة كل الغنى
لو أن خيرك كان شرا كله * عند الذين عدوا عليك لما عدا
الفيض في وزارة المهدي :
واستوزر المهدي بعد يعقوب بن داود الفيض بن أبي صالح ، واسم أبي صالح شيرويه ، وكان سخيا سريا ، كثير الافضال ، واسع الحال ، وكان متكبرا متجبرا مترفعا ، فحكي انه دخل على الرشيد فمد يده ليقبلها : فلم ينكب عليها ورفعها إلى فيه ، فقبلها ، فقال الرشيد : لولا لؤمه وحمقه لقتلته . وفيه يقول بعض الشعراء :
صيرت ودكّ إذ ظفرت به * بيني وبين نوائب الدهر
وذكر يعقوب بن إسحاق الكندي انه سمع يحيى بن خالد ، وذكر الفيض بن أبي صالح ، فقال : كان يعلم الناس الكرم .
وكان يحيى يهضم نفسه إذا استكثر شيء يكون منه من الجود ، ويقول : فكيف لو رأيتم الفيض بن أبي صالح !
وقال أبو الأسد التميمي ، وأسمه نباتة « 1 » من بني حمان يمدح الفيض بن أبي صالح :
ولائمة لامتك يا فيض في الندى * فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى * ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
مواقع جود الفيض في كل بلدة * مواقع ماء المزن في البلد القفر
كأن وفود الفيض حين تحملوا * إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
وحدثنا ولد علي بن الحسين عنه :
أن الفيض بن أبي صالح ، وأحمد بن الجنيد ، وجماعة من الكتاب والعمال ، خرجوا من دار الخليفة ، منصرفين إلى منازلهم في يوم وحل ، فتقدم الفيض ، وتلاه أحمد بن الجنيد ، فنضح دابة الفيض على ثياب أحمد ابن الجنيد من الوحل ، فقال أحمد للفيض : هذه واللّه مسايرة بغيضة . ولا أدري بأي حق وجب لك التقدم علينا ، فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء ، ووجه اليه عند مصيره إلى منزله بمائة تخت ، وفي كل تخت قميص وسراويل ومبطنة وطيلسان وعمامة أو شاشية ، وقال لرسوله : قل له : وجب لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا ، نوجه به إليك عوضا مما أفسدناه من ثيابك ، فإن كان لك مثله فلك التقدم علينا ، والا فنحن أحق بالتقدم منك .
وحدثنا ولد علي بن الحسين عنه :
أن داود كاتب أم جعفر حبس وكيلا لها ، وجب عليه من حساب رفعه ، عن
هامش
( 1 ) هو نباتة بن عبد اللّه الحماني ، من شعراء الدولة العباسية .