وشجى صدره ، فبينما هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الجراب والمحراب ، إلا أنه من أهل الآداب ، يقال له أبو عبد اللّه الصوفي ، وقيل أبو الحسين العسقلاني إذ لقي في سفره نصبا ، واشتهى اللحم ، فلم يقدر على ثمنه فقال ارتجالا في ذلك .
ألا موت يباع فاشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي * يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرت قبرا من بعيد * وددت لو انني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حر * تصدق بالوفاة على أخيه
فاشترى له رفيقه لحما بدرهم واحد كي يسكن به رمقه وتحفظ الأبيات وتفارقا ، وضرب الدهر ضرباته حتى ترقت حال المهلبي إلى أعظم درجة من الوزارة فقال :
رق الزمان لفاقتي * ورثى لطول تحرقى
وأنالني ما ارتجي * وأذال مما اتقى
فلأ صفحن عما جناه * من الذنوب السبق
حتى جنايته بما * فعل المشيب بمفرقى
وحصل الرفيق تحت كلكل من كلاكل الدهر ثقل عليه بركه ، وهاضه تركه فقصد حضرته وتوصل إلى ايصال رقعة تتضمن أبياتا ، منها :
ألا قل للوزير فدته نفسي * مقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيش * ألا موت يباع فاشتريه
فلما نظر فيها تذكره ، وهزته أريحية الكرم للحنين اليه ، ورعاية حق الصحبة فيه ، ومشى على حكم من قال :
ان الكرام إذا ما ايسروا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن
وأمر له عاجل الحال بسبعمائة درهم ، ووقع في رقعته :
( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ