تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
واعلم أن عمرك أنفاس معدودة ، وكل نفس من انفاسك جوهرة لا قيمة لها فالمشتغل بالفضول كمن اخذ جوهرة نفيسة ورمى بها في مزبلة ، فهو ظالم لان معنى الظلم وضع الشئ في غير موضعه . قال القائل :
نفائس أنفاس أضعت وانها * لمثمنة لو لم يكن عرفان
قال معروف الكرخي : علامة مقت اللّه للعبد ان يراه مشتغلا بما لا يعنيه من امر نفسه . وفي الحديث : من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، أي وهو ما لا حاجة له به . وقال بعضهم : طلبت الراحة لنفسي فلم أجد شيئا أروح لها من تركها ما لا يعنيها ، جعلنا اللّه وإياكم ممن اشتغل بما يعنيه ، وترك ما لا يعنيه . كتب علي بن صلاح الدين يونس ملك الشام إلى الامام الناصر لدين اللّه يشكو اليه أخويه أبا بكر وعثمان وكانا قد خالفا وصية أبيهما له :
مولاي ان أبا بكر وصاحبه * عثمان قد غصبا بالسيف حق علي وكان بالأمس قد ولاه والده * في عهده فاضاعا الامر حين ولي وخالفاه وحلا عقد بيعته * والامر بينهما والنص فيه جلي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى * من الأواخر ما لاقى من الأول
فوقع الخليفة الناصر على ظهر كتابه بهذه الأبيات .
وافى كتابك يا ابن يونس منطقا * بالحق يخبر ان أصلك طاهر منعوا عليا ارثه إذ لم يكن * بعد النبي له بيثرب ناصر فاصبر فان غدا عليه حسابهم * وابشر فناصرك الامام الناصر
قيل : البليغ من يحول الكلام على حسب الأماني ، ويخيط الالفاظ على قدر المعاني ، والكلام البليغ هو ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا . وقيل لاعرابى : من أبلغ الناس ؟ قال : أقلهم لفظا ، وأحسنهم بديهة .