وقال الامام فخر الدين الرازي في حد البلاغة انها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما يقول في قلبه مع الاحتراز عن الايجاز المخل والتطويل الممل .
وقال فيلسوف : كما أن الآنية تمتحن باطنانها فيعرف صحيحها ومكسورها فكذلك الانسان يعرف حاله بمنطقه .
وحكي ان رجلا شاعرا كان له عدو كبير فبينما هو سائر في البر ذات يوم من الأيام وإذا بعدوه يمشي إلى جانبه ، فعلم الشاعر ان عدوه قاتله لا محالة ، فقال له :
يا هذا انا اعلم أن المنية قد حضرت ، ولكن سألتك باللّه إذا أنت قتلتني فامض إلى داري وقف بالباب وناد : ألا أيها البنتان ان أباكما - وكان للشاعر ابنتان - فلما اتى اليهما الرجل وسمعتا قوله ألا أيها البنتان ان أباكما ، اجابتاه : قتيل خذ الثار ممن اتاكما ، ثم تعلقا بالرجل وحملاه إلى الحاكم ، فاستقره فاقر ، فأمر بقتله ، فقتل بابيهما .
ومن حكايات الفصحا ما حكي ان عبد الملك بن مروان جلس يوما وعنده جماعة من خواصه وأهل مسامرته ، فقال : أيكم يأتيني بحروف المعجم من بدنه وله علي ما يتمناه ، فقام اليه سويد بن عقلة ، وقال : انا يا أمير المؤمنين ، قال : هات ، فقال : انف ، بطن ، ترقوة ، ثغر ، جمجمة ، حلق ، خد ، دماغ ، ذكر ، رقبة زند ، ساق ، شفة ، صدر ، ضلع ، طيز ، ظهر ، عين ، غببة ، فم ، قفا ، كف ، لسان منخر ، ناب ، ورك ، هامة ، يد .
فهذه آخر حروف المعجم والسلام على أمير المؤمنين ، فقام بعض عبيد الملك فقال : يا أمير المؤمنين انا أقول في جسد الانسان مرتين مثل ما قال سويد فضحك عبد الملك وقال لسويد : اما سمعت ما قال ؟ قال : نعم انا أقولها ثلاثا ، فقال له :
لك ما تتمنى ، فقال سويد : انف اذن أسنان ، بطن بظر بصر ، ترقوة ثمرة تينة ، ثغر ثنايا ثدي ، جمجمة جنب جبهة ، حلق حنك حاجب ، خد خاصرة خصر ، دبر دماغ دردر ، ذكر ذقن ذراع ، رقبة رأس رجل ، زرذمة زند زب .
فضحك عبد الملك من قوله ، ثم قال سويد : ساق سرة سبابة ، شفة شعر
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 605
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٦٠٥