قيل : من تدنى بالركون إلى السفليات ، دنت همته بالانحطاط عن العلويات وان كان من أرباب المقامات ، وذوي النهايات ، بل تكون المؤاخذة في حق هؤلاء أشد وتعجيل اسرع فيحجبون عن مكاشفاتهم ، وينزلون عن مراتبهم ، ويفقدون منزلتهم ، بهفوة تصدر منهم في بعض الأحوال ، من جنس حديث النفس المعفو عن المؤاخذة به غيرهم ، وغير ذلك من الصغائر التي يعدها منصبهم لجلالته من الكبائر كما قيل :
إذا ما سما الأواب حالا وهمة * إلى الملإ الأعلى واثبته النص
هناك تخاف العين طمسا لأنه * صغيرته محو وهفوته نقص
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : من تكفل لي ما بين لحييه ورجليه اتكفل له بالجنة فاللسان أخص بالقلب من جميع الجوارح ، لأنه المعبر عنه ، فمن تكلم في شئ من الفضول وهو غني عنه اسود بذلك وجه قلبه واظلم حتى ينتهي الظلام إلى إماتة قلبه ، فكل متكلم على حافظية يملي ، فمن شاء فليقلل ، ومن شاء فليكثر فتحفظ من ذلك جهدك . قال اللّه تعالى
( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )
.
وفي الحديث ( ان الرجل ليتكلم بالكلمة فيهوى بها في النار سبعين خريفا وقتل شهيد في المعركة ) فقيل : هنيئا له بالجنة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ، أو يبخل بما يعنيه .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه واله : رحم اللّه امرأ امسك فضل لسانه وعلم أن كلامه محصى عليه .
وقيل : لو قيل للطمع من أبوك ؟ قال : الشك في المقدور ، ولو قيل له :
ما حرفتك ؟ قال : اكتساب الذل ، ولو قيل له : ما غايتك ؟ قال : الحرمان ، وهذا في الدنيا .
وأما في الآخرة فان اللّه سبحانه وتعالى امر بالزهد في الدنيا والقناعة بما قسم من الرزق واظهار التعفف والاستغناء عن الخلق ، وقطع النظر عنهم والطمع يناقض