الظرفاء ، ويعاشرون منه من تطيب عشرته ، وتلين قشرته ، وتكرم أخلاقه وتحسن اخباره ، وتسير أشعاره ، ناظم حاشيتي البر والبحر ، وناحيتي المشرق والمغرب .
وبلغني انه كان له غلام يسمى نسيما في نهاية الملاحة واللباقة ، فكان يؤثره على سائر غلمانه ، ويختصه بتقديمه .
وبلغني انه كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والبسط والخلاعة ، وهم : ابن قريقة وابن معروف والقاضي الكرخي وغيرهم وما كان منهم إلا ابيض اللحية طويلها وكذلك كان المهلبي فإذا تكامل الانس ، وطاب المجلس ولذ السماع ، وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا أثواب الوقار للعقار ، وتقلبوا في اعطاف العيش بين الخفة والطيش ، ووضع في يد كل منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوء شرابا قطربليا أو عكبريا فيغمس لحيته فيه ، بل ينقعها حتى تتشرب ويرش بها بعضهم على بعض ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق البرم ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر ، وإليهم أشار السري بقوله :
مجالس ترقص القضاة بها * إذا أنتشوا في مخانق البرم
وصاحب يخلط المجون لنا * بشيمة حلوة من الشيم
تخضب بالراح شيبه عبثا * أنامل مثل خمرة العنم
حتى تخال العيون شيبته * شيبة عثمان ضرجت بدم
فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمت والتوقر والتحفظ لابهة القضاء وحشمة المشايخ والكبراء .
قال الثعالبي وقد أخرجت من شعر التنوخي ، ما هو شرط الكتاب ، فمن ذلك قوله في وصف الليل والنجوم :
رب ليل قطعته كصدود * أو فراق ما كان فيه وداع
وحش كالثقيل تقذي به * العين وتأبى حديثه الاسماع