وكأنها ياقوتة أو أعين * زرق يلايم بينها ويوصل
عذبت فما تدري أماء ماؤها * عند المذاقة أو رحيق سلسل
ولها بمد بعد جزر ذاهب * جيشان يدبر ذا وهذا يقبل
وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها * من جنة الفردوس حين تخيل
كم منزل في نهرها آلى * السرور بأنه في غيرها لا ينزل
وكأنما فلك القصور عرائس * والروض حلى فهي فيه ترفل
غنت قيان الطير في ارجائها * هزجا يقل له الثقيل الأول
ما أحلى هذا التوجيه بالهزج والثقيل وهما من بحور الشعر :
وتعانقت تلك الغصون فاذكرت * يوم الوداع وعيرهم تترحل
ربع الربيع بها فحاكت كفه * حللا بها عقد الهموم تحلل
فمدبج وموشح ومدثر * ومغمد ومحبر ومهلل
فتخال ذا عين وذا ثغر وذا * خد يعضعض تارة ويقبل
قلت : أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ، فسبحان من منح البلاغة لهذا الأديب الفاضل ، فإنه ما ترك مقالا لقائل ، ولا مجالا لجائل ، ولا مصالا لصائل ، رحمه اللّه تعالى .
حكي انه ذكر عند الرشيد قول أبي نواس :
فاسقني البكر التي اعتجرت * بخمار الشيب في الرحم
فقال لمن حضره : ما معناه ؟ فقال أحدهم : ان الخمرة إذا كانت في دنها كان عليها شيء مثل الزبد ، فهو الشيب الذي اراده ، وكان الأصمعي حاضرا فقال :
يا أمير المؤمنين ان ابا نواس أجل خطرا ، وأدق نظرا ، وان معانيه لخفية ، فاسألوه عن ذلك ، فأحضره وسئل ، فقال : ان الكرم أول ما يخرج العنقود في الزرجون يكون عليه شيء شبيه بالقطن ، فقال الأصمعي : ألم أقل لكم ان ابا نواس أدق نظرا مما قلتم .