المريد فلم يذبح ، فقال له : لم لا تذبح كما ذبحوا ؟ فقال : قلت لي اذبح حيث لا يراك أحد ، فلم أجد موضعا إلا واللّه تعالى يراني فيه ، فقال لهم : من اجل هذا احبتته وقدمته عليكم .
قلت : ولهذه الطائفة في علم التوحيد ومقام المراقبة الاهتمام العظيم ، والمنهج المستقيم ، وليس ذلك بأنهم انفردوا باعتقاد ذلك ، وانما انفردوا بملاحظة قلوبهم بدوام هذا العلم تأديبا وسلوكا في البدايات ، وتحقيقا ويقينا في النهايات ، ولهذا أمتاز هذا المريد في هذه الحكاية ، لأنهم لو سئلوا كلهم عن ذلك لقالوا : ما من موضع إلا واللّه تعالى يرانا فيه ، لكنه هو راعي اعتقاده والايمان وغيره غلبت عليه غفلته والنسيان .
أعلم ان القتال في القلب دائم بين جنود الشيطان ، وهي الشهوات ، وبين حزب اللّه عز وجل وهو نور العقل إلا في قلب فتحه أحد الجندين ، واستولى عليه بالكلية ، وغالب القلوب الآن قد غلب عليها وفتحها جند الشيطان ، فيحتاج أن يستأنف أسباب القتال لازعاجه ، ويعبر عن ذلك بالجهاد الأكبر واليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه واله لقوم قد قدموا عليه من الغزو : وقدمتم خير مقدم قدمتم إلى الجهاد الأكبر مجاهدة العبد هواه ، رواه الديلمي .
وروى البخاري عن أبي ذر قال : قلت يا رسول اللّه أي الجهاد أفضل ؟ قال إن يجاهد الرجل نفسه وهواه .
وروى ابن حبان وغيره انه صلى اللّه عليه واله قال : المجاهد من جاهد نفسه فظهر أن النفس عدو منازع يجب مجاهدته .
وصريحه من كتاب اللّه تعالى
( وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ )
أي للّه ، ومن اجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة ، كالهوى والنفس ، وقوله : حق جهاده ، أي جهادا خالصا حقا لوجهه فعكس ، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة ، كقولك : هو حق عالم .