له سيف الدولة ، فهل تحسن في هذه الصناعة شيئا ؟ قال : نعم ، ثم اخرج من وسطه جرابا صغيرا ففتحه ، واخرج منه عيدانا فركبها ، ثم جس بها فضحك كل من في المجلس ، ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ثم فكها وركبها تركيبا آخر ، وعمل بها فنام كل من في المجلس ، فتركهم نياما وخرج .
وهو أول من وضع الآلة المسماة بالقانون ، والآلة المسماة بالعود ، وركبهما هذا التركيب .
وكان زاهدا منفردا بنفسه ، لا يجالس الناس ، وكان لا يجلس إلا بين الزهور والرياحين والمياه والبساتين ، ويؤلف كتبه هناك وهناك يشتغل المشتغلون عليه في العلوم .
وكان أكثر تصنيفه في الرقاع ولم يصنف في الكراريس إلا القليل ، ولهذا جاءت كتبه ، وأكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ، يوجد بعضها ناقصا مبتورا .
وكان متقشفا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن ، واجرى عليه سيف الدولة بعد غاية الالتماس كل يوم أربعة دراهم وهي التي اقتصر عليها لقناعته ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق ، فصلى عليه سيف الدولة مع خواصه ، وقد ناهز ثمانين سنة ، ودفن بظاهر دمشق خارج الباب رحمه اللّه تعالى .
ومن شعره قوله :
أخي كل ذي حيز باطل * فكن للحقائق في حيز
فما الدار دار مقام لنا * ولا المرء في الأرض بالمعجز
ينافس هذا لهذا على * أقل من الكلم الموجز
وهل نحن إلا خطوط وقعن * على نقطة وقع مستوفز
محيط السماوات أولى بنا * فماذا التنافس في المركز
واللّه بكل شئ عليم انه بكل شيء محيط .