تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
ثم اشتغل بقراءة كتب أرسطاطاليس ، وتمهد في استخراج معانيها والوقوف على اغراضه منها . ويروى انه سئل من اعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلامذته . وشرح غوامض علوم المنطق ، وكشف أسرارها ، وقرب متناولها ، وأفاد وجوه الانتفاع ، وعرف طرق استعمالها ، وكيف تصور صورة القياس في كل مادة منها ، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافلة والنهاية الفاصلة . هكذا ذكره ابن صاعد ، ثم إنه دخل الشام فورد على سيف الدولة بن حمدان - المقدم ذكره - وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فدخل عليه وهو بزي الأتراك ، وكان ذلك زيه دائما لا يغيره ، فوقف فقال له سيف الدولة : اجلس ، فقال : حيث انا أم حيث أنت ؟ فقال : حيث أنت ، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مجلس سيف الدولة فزاحمه حتى اخرجه عنه وجلس ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص لا يعرفه غيرهم ، فقال لهم بذلك اللسان : ان هذا الشيخ قد أساء الأدب بحضرتي واني سائله عن أشياء فإن لم يجبني بها فاستخفوا به وأخرجوه ، فقال له أبو نصر بذلك اللسان : أيها الأمير اصبر فان الأمور بعواقبها فتعجب سيف الدولة منه وبهت وقال له : ا تحسن هذا اللسان ؟ فقال : نعم أحسنه وأحسن سبعين لسانا غيره بل أكثر ، فعظم عنده ، ثم شرع يتكلم مع العلماء في مجلس سيف الدولة في كل فن ، فلم يزل كلامه عندهم يعلو ، وكلامهم عنده يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ، ثم صاروا يكتبون ما يقوله ، ثم إن سيف الدولة صرف أولئك العلماء وخلا بأبى نصر الفارابي ، فقال له : هل لك ان تأكل ؟ قال : لا ، فقال : تشرب ، قال : لا ، فقال : تسمع الغناء ، قال : نعم ، فامر سيف الدولة باحضار المغنين فحضر جمع من أهل هذه الصناعة بأنواع الآلات ، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له : أخطأت ، إلى أن خطأهم جميعهم فقال
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 480 | سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي / سيد محمد مهدي الخرسان