الغريق لا يبالي من الرش ، الركوب على الإحليل ولا المشي القليل ، تشتهي النيك وتخاف من الحبل ، المليح مليح ولو قام من النوم . واللاش لاش ولو زوقته كل يوم جوع القملة في رأس الأقرع ، يا أبى شرفني قال حتى يموت من يعرفني ، تحتار الماشطة في الوجه العفش .
فلما كان عصر سادس شوال عام الف ومائة وأربعين من هجرة النبي ذي الجلال توكلنا على ملجأ الضعيف الخائف ، وسرنا من مكة إلى بلدة الطائف ، فأتينا بعون الملك الستار ، في نصف الليل قهوة الكسار - وهو موضع بعرفة - وبتنا به إلى الفجر ، ثم رحلنا منه ومررنا في طريقنا بأرض نعمان ، وهي ارض أنيسة ، نزيهة نفيسة ، وبها مزارع وآبار :
عليكم سلام اللّه يا أهل نعمان * فذكركم يحيى به المغرم العاني
وعند الزوال اتينا شداد ، وهو موضع به مزارع ومقاهى ويحصل به سموم عظيم ، فقيلنا هناك إلى العصر ، ثم سرنا فاتينا الكر بعد المغرب - والكر - هذا أسفل جبل كرا ، به بئر ماء ومقاهى ، ويجلب منه العسل اللطيف ، فبتنا إلى الفجر ثم صلينا الصبح وصعدنا جبل كرا ، وطوله نفى عن أعيننا الكرى .
الكرى : وهو جبل عظيم قد تجاوز السماك ، ورقى إلى الأفلاك ، قيل إنه متصل إلى صنعا ، فلم نزل في نزول وصعود ، وقيام وقعود إلى قريب الضحى ، فصعدنا إلى أعلاه ، وقد ذهب من كل منا قواه .
ثم سرنا فأتينا الهدا ، وطالع الفرح والسرور علينا بدا ، وهي ارض يقصر عن وصف محاسنها اللسان كأنها من رياض الجنان ، بها الأشجار والأزهار ، والمياه العذبة ، وصنوف الأطيار والفواكه المختلفة الألوان ، والبدور الساطعة الحسان وأهلها أصحاب كرم وسخا ، خيرهم مبذول في الشدة والرخا :
لقد زاد شوقى يا اخلاي للهدا * بلاد بها الاحسان والجود والهدى
حكت جنة الفردوس في الحسن والبها * حماها إله العرش من طارق العدا