تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
جوهر قد حملته معي باضعاف ما جعله لك المنصور فخذه ولا تكن سببا في سفك دمى ، قال : فارنيه ؟ فأخرجته اليه ، فنظر اليه ساعة وقال : صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شئ فان صدقتني اطلقتك ، فقلت له : قل ، فقال : ان الناس قد وصفوك بالكرم والجود ، فأخبرني هل وهبت مالك كله ، فقلت : لا ، قال : فنصفه ، قلت : لا ، قال : فثلثه ، قلت : لا حتى بلغ العشر ، فاستحييت ، فقلت : أظن اني قد فعلت هذا فقال : وما ذاك بعظيم ، ثم قال : انا واللّه رجل ضعيف ورزقي من المنصور كل شهر عشرون درهما ، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك وكرمك المشهور بين الناس ، ولكن تعلم أن في الدنيا من هو أجود وأكرم منك ، فلا تعجب بنفسك واحتقر بعد هذا كل شيء تفعله ، ولا تتوقف عن الكرم والجود ، ثم رمى الجوهر في حجري وترك خطام البعير وولى منصرفا ، فقلت له : يا هذا واللّه لقد اخجلتنى ولسفك دمى أهون علي مما صنعت بي ، فخذ هذا الجوهر فانى غني عنه فضحك وقال : أردت ان تكذبني في مقالي هذا واللّه لا اخذته ولا اخذت لمعروفي منا ابدا ومضى لسبيله ، فو اللّه لقد طلبته بعد ان امنت وبذلت جهدي لمن يجئ به لأجازيه على احسانه ، فما عرفت له خبرا ، وكأن الأرض ابتلعته . ولم يزل معن مستترا حتى كان يوم الهاشمية ، وهو يوم مشهور ثارت فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور ، فوثبوا عليه ، وجرت مقتلة عظيمة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية المذكورة - وهي مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة وذلك في ذي القعدة سنة اربع وثلاثين ومائة - . وكان معن بن زائدة المذكور متواريا بالقرب منهم ، فخرج متنكرا معتما متلثما ، فتقدم إلى القوم وقاتل قدام المنصور قتالا شديدا اظهر فيه نجدته وشجاعته وشهامته ، وفرقهم عن المنصور يمينا وشمالا ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، فلما افرج القوم عن المنصور ، اقبل على المنصور ، وقبل ركابه ، فقال : ويحك من أنت الذي
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 356 | سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي / سيد محمد مهدي الخرسان