تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
مسكا ، فاخذه احمد اليتيم ومضى واجتاز احمد في طريقه بالمغنين وبقية الندماء والخواص ، فقاموا اليه وسألوه ان يجلس معهم ساعة ، فقال : انا ماض في حاجة للأمير امرني باحضارها في الطبق ، فقالوا : ارسل من ينوب عنك في احضارها وخذها وادخل إلى الأمير ، فادار احمد عينيه فرأى الفتى الفراش الذي كان نائما مع الجارية فأعطاه الطبق ، وقال له : امض إلى فلان الخادم وقل له يقول لك الأمير أملء هذا الطبق مسكا ، فمضى الفتى إلى الخادم ، وذكر له قصته فقطع الخادم رأسه وغسله وجعله في الطبق وغطاه ، واقبل به ، فناوله لاحمد اليتيم ، وليس عنده علم بباطن الامر ، فلما دخل به إلى الأمير كشفه وتأمله ، وقال : ما هذا يا احمد ؟ فقص عليه خبره وقعوده مع المغنين وسؤالهم له الجلوس معهم وما كان من انفاذ الطبق والرسالة مع الفراش وانه لا علم عنده غير ما ذكره ، فقال له الأمير : يا احمد تعرف لهذا الفراش خبرا استوجب به ما قد جرى عليه ؟ فقال أيها الأمير ان الذي تم عليه بما ارتكبه من خيانتك ، وقد كنت رأيت الاعراض عن اعلام الأمير بذلك ، ثم اخذ احمد يحدثه بما شاهده وما جرى له وحديث الجارية من أوله إلى آخره لما انفذه إلى احضار السبحة . فدعا الأمير أبو الجيش بتلك الجارية واستقرها فأقرت بصحة ما ذكره احمد فأعطاه إياها وامره بقتلها ففعل فازدادت مكانته عنده وعلت منزلته لديه وضاعف احسانه اليه ، وجعل أزمة جميع ما يتعلق به بيديه ، ولم يجعل لاحد من عظماء تلك الدولة حكما يتسلط به عليه . فانظر إلى آثار الوفاء كيف يحمي من المعاطب ، وينجي من قبضة التلف بعد انتضاء القواضب ويفضى بصاحبه إلى ارتقاء غوارب المراتب ويقضى لصاحبه على من يريد رداه ببغية الغائب وأمله الكاذب ويرمى شيطان حدسه ومقتل نفسه من انتقام اللّه تعالى بشهاب قدرته الثاقب وسهم قضائه الصائب . فهذا الغلام لما وفي لمولاه بعهده ، وهو في الحقيقة بشر مثله وليس بعبده واطلع اللّه على صدق نيته وصحة جده ، دفع عنه هذه القتلة الشنيعة بلطف من