جوهر فجئنى بها ، فمضى احمد فلما دخل الحجرة وجد جارية من خواص الأمير نائمة مع بعض الفراشين ، فلما رأياه خرج الفتى وجاءت الجارية إلى احمد وعرضت نفسها عليه ودعته إلى قضاء وطره ، فقال لها : معاذ اللّه ان أخون الأمير وقد أحسن إلي واخذ العهد علي ، ثم تركها واخذ السبحة وانصرف إلى الأمير وبقيت الجارية شديدة الخوف من احمد لئلا يذكر حالها للأمير ، وبقيت أياما لم تجد من الأمير ما تنكره من اقباله ولا ظهر لها ما توهمته في احمد من تسرعه في مقاله وانتهاء حاله .
واتفق ان الأمير اشترى جارية وقدمها على حظاياه وغمرها بعطاياه واشتغل بها عمن سواها ، واعرض لشغفه بها عن كل من عنده حتى كاد لا يذكر جارية غيرها ، ولا يراها .
وكان أولا مشغوفا بتلك الجارية الخائنة ، فلما اعرض عنها اشتغالا بالجديدة وشغلته بعذوبة رضابها ، عن ارتشاف ضرب اضرابها وهجر حظايا مقاصيره واقتصر عليها في طويل تنعمه وقصيره ، وكانت تلك الأولى متأمرة ، مطرحة حكم امره لا تخاف من وليه ولا نصيره فكبر عليها اعراضه عنها ، ونسبت ذلك إلى اطلاع احمد اليتيم إياه على ما كان منها فدخلت على الأمير ، وقد ارتدت من الكآبة بجلباب نكرها ، وركبت وجهها في صورة حزن افسادها بزمان فكرها وأجهشت بالبكا بين يديه لاتمام كيدها ومكرها عليه ، وقالت إن احمد اليتيم راودني عن نفسي فلما سمع الأمير استشاط غضبا وهم في الحال بقتله ، ثم عاوده حاكم عقله فتأنى في فعله واستحضر خادما يعتمد عليه وقال له : إذا أرسلت إليك انسانا ومعه طبق ذهب فاقتل ذلك الانسان ، واعمل رأسه في الطبق واحضره مغطى .
ثم إن الأمير ابا الجيش جلس لشربه وحضر عنده ندماؤه ، واحمد اليتيم واقف بين يديه آمن في سربه ، جار على عادته في اجتناء جنا قربه ، ولم يخطر بخاطره ولا تقلب في قلبه شيء مما نسب اليه وقذف به ، فلما ثمل الأمير واخذ منه ما كان يتناوله ، قال له : يا احمد خذ هذا الطبق وامض به إلى فلان الخادم ، فقل له يملأه
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 336
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٣٣٦