وكمران هذه - بفتح الكاف والميم وقبل الألف راء وبعده نون - وهي جزيرة مشهورة في البحر مقابلة لبر الصليف ، وهي ذات مياه عذبة ، وأزهار طيبة وهواء لطيف ، فنزلنا بها وتشرفنا فيها بزيارة قبر الشيخ الولي أبي عبد اللّه محمد بن الحسن بن عبدويه العراقي . وعبدويه على وزن سيبويه إلا أن العين مفتوحة .
كان المذكور فقيها عالما عاملا ، أصله من العراق واخذ العلم هناك عن الشيخ أبى إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه وغيره ، ثم دخل اليمن وسكن مدينة زبيد مدة فاتفق وصول بعض ملوك بني الصليحى منجدا لبعض ملوك الحبشة على ابن عم له نازعه في الملك فنهب لما وصل المدينة ، ونهب للشيخ جملة مستكثرة من المال والكتب وغير ذلك .
وكان الشيخ صاحب ثروة فانتقل إلى جزيرة كمران ونزل بها واشترى هناك جلابا ، وكان يرسل عبيده إلى الهند وغيرها من البلاد فلم يأت عليه مدة يسيرة إلا وقد اخلف اللّه عليه اضعاف ما اخذ منه ، ولما استقر بالجزيرة قصده الناس من كل ناحية ، واشتغلوا عليه بالعلم ، وانتفعوا به انتفاعا عظيما لكونه من أهل الولاية والصلاح ، وخرج من تلاميذه جماعة من العلماء الكبار ممن درس وأفتى .
وكان يقوم بكفاية جميع من وصل اليه من طلبة العلم وغيرهم من الوافدين والمنقطعين ، وكان متحريا في مطعمه لا يأكل إلا من الأرز الذي يجلبه عبيده من بلاد الهند .
وكان يقصد للزيارة والتبرك في حال حياته ويطلب منه الدعاء ، وامتحن في آخر عمره بالعمى ، فعلم بذلك بعض الفقهاء من تلامذته ، وهو في مدينة المهجم وكان هناك طبيب ماهر عارف فجاء به التلميذ إلى الفقيه ، واخبره بوصول الطبيب معه ، فقال : لا حاجة لي بذلك ، ثم دعا بابن ابن له وقال له اكتب ما املي عليك ثم املى عليه شعرا وهو :
وقالوا قد دهي عينيك سوء * فلو عالجته بالقدح زالا