فشواها ، ولا يزال يشرب إلى أن يدب الشراب فيه فينشد ويقول :
اضاعونى وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم .
وكان أبو حنيفة كل ليلة يسمع جلبته ، وأبو حنيفة يصلي الليل كله ، ففقد أبو حنيفة صوته ، فسأل عنه فقيل له قد اخذه العسس من ليال وهو محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من الغد وركب بغلته واستأذن على الأمير ، فقال الأمير :
ائذنوا له ان يدخل راكبا ولا ينزل حتى يطأ بساطي ، ففعل ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه حتى قال له : ما حاجتك ؟ قال : لي جار اسكاف اخذه العسس منذ ليال ، فليأمر الأمير باخراجه ، فقال : نعم هو ومن اخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا ، فامر باطلاقهم أجمعين . فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه ، فلم يزل أبو حنيفة مصغيا اليه . وقال له يا فتى اضعناك ! فقال : لا بل حفظت ورعيت جزاك اللّه خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق . وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان عليه .
قلت هذا البيت الذي انشده الإسكاف المذكور هو من ابيات لعبد الرحمن ابن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي العرجي - بفتح العين المهلة وسكون الراء وفي آخرها جيم وياء - نسبة إلى العرج موضع بين مكة والمدينة ، وهي :
أضاعونى وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
وصبري عند معترك المنايا * وقد شرعت اسنتها بنحري
اجرر في الجوامع كل يوم * فيا للّه مظلمتي وقسري
لانى لم أكن فيهم وسيطا * ولم تك نسبتي في آل عمرو
عسى الملك المجيب لمن دعاه * سينجيني فيعلم كيف شكري
فاجزى بالكرامة أهل ودي * واجزى بالصغارة أهل نكري
وكان سبب عمله لهذه الأبيات ان محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان كان والي مكة المشرفة ، وحبس العرجي المذكور