لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد * اهدى لك الفلك الاعلى بما فيه
قلت : تأمل باللّه في هذا الكلام العجيب ، والمعنى البديع الغريب .
وأهدى رجل إلى المتوكل قارورة ذهب وكتب معها ان الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير ، فكلما لطفت ودقت كان ابهى وأحسن ، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير ، فكلما عظمت وجلت كان أوقع وانفع .
أودع تاجر من تجار نيسابور جارية عند الشيخ أبي عثمان الحميري الصوفي فوقع نظر الشيخ عليها يوما فعشقها وشغف بها ، فكتب إلى شيخه أبي حفص الحداد الصوفي بحقيقة الحال ، فاجابه بالامر بالسفر إلى الري إلى صحبة الشيخ يوسف الصوفي ، فلما وصل إلى الري وسأل الناس عن منزل الشيخ يوسف أكثروا من ملامته ، وقالوا له : يسأل مثلك تقى عن بيت فاسق ، فرجع إلى نيسابور واخبر شيخه بالقصة فامره بالعود إلى الري وملاقاة الشيخ يوسف المذكور ، فسار مرة ثانية إلى الري فسأل عن منزل الشيخ ولم يلتفت إلى مذمة الناس له وازدرائهم به فقيل له : انه في حارة الخمارة ، فاتى اليه وسلم عليه فرد عليه السّلام ، وزاد له في الاكرام ، وكان إلى جانبه صبي بارع الجمال ، وإلى جانبه الآخر جارية فائقة الدلال وقدامه زجاجة مملؤة من شيء كأنه الخمر بعينه ، فقال له الشيخ أبو عثمان : ما هذا المنزل ؟ فقال : ان حاكما ظالما اشترى بيوت هذه الحارة وصيرها خمارة ، وهذا بيتي وليس لي عوض عنه ، فقال : ما هذا الغلام وما هذه الجارية وما هذه الزجاجة الخمر ؟ فقال : أما الغلام فولدي من صلبي ، والجارية كذلك ، وأما الزجاجة فمملوأة خلا ، فقال له : ولم توقع نفسك في مقام التهمة بين الناس ؟ فقال : لئلا يعتقد الناس انني امين ثقة فيستودعونى جواريهم فابتلي بحبهن ، فبكى أبو عثمان بكاءا شديدا وزال عنه ما كان يجده من العشق ، وعلم قصة شيخه وتاب إلى ريه ، واستغفر من ذنبه .