تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
لا أحبّ أن تقبّل رأسي ، ولكن لي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : انظر في هذه المرآة ، كيف تبصر وجهك من الفرح ناضرا مشرقا ؟ فأحبّ أن يكون وجهك إذا سألتك ردّ ما قبضت مثلما هو الساعة . أحبّ الرشيد أن ينظر إلى أبي شعيب القلّال كيف يعمل القلال ، فأدخلوه القصر وأتوه بجمع ما يحتاج إليه من آلة العمل ، فبينا هو يعمل إذ هو بالرشيد قائما فوق رأسه ، فلما رآه نهض قائما . فقال له الرشيد : دونك ما دعيت له ، فإني لم آت بك لتقوم لي ، وإنما أتيت بك لتعمل بين يديّ . قال : وأنا لم آتك ليسوء أدبي ، وإنما أتيتك لأزداد بك في كثرة صوابي . قال له الرشيد : بلغني أنك إنما تعوّضت بي حين كسدت صنعتك . فقال أبو شعيب : يا سيّد الناس ، ما كساد عملي في جلال وجهك ؟ فضحك الرشيد حتى غطّى وجهه . ثم قال : ما رأيت - واللّه - أنطق منه أولا ، ولا أعيا آخرا . ينبغي أن يكون هذا أعقل الناس أو أجنّ الناس . هاج بأبي علقمة الدم ، فأتوه بحجّام يحجمه ، فقال له : أنق غسل المحاجم ، واشدد قصب الملازم ، وأرهف ظبات المشارط ، وأسرع الوضع ، وعجّل النّزع ، وليكن شرطك وخزا ، ومصّك نهزا ، ولا تكرهنّ أبيّا ، ولا تردّن أتيّا . فوضع الحجّام محاجمه في جونته وقال : اسقوا هذا شربة ؛ فإنه إلى الدواء أحوج منه إلى الحجامة . قال بعضهم : رأيت بمكة زنجيّا قد خرج من كنيف يكنسه ، وعلى عنقه جرّة ، وفي رجله لبنة ، وهو يقول « 1 » : [ الخفيف ]
جنّباني ديار هند وسعدى * لم أكن راضيا بدار هوان
قال : فقلت : ويحك ! وأيّ هوان أعظم مما أنت فيه ؟ فقال : تنحّ عني ، ولا تقذّرني . قال بعضهم : رأيت سمّاكا بين يديه جرّيّ منتن ، وهو يقول : من يشتري الشنّة جزافا ؟
هامش
( 1 ) البيت في العقد الفريد 6 / 449 .