تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨

الباب التاسع عشر نوادر أصحاب المهن والصناعات الخسيسة

حج رجل من أهل العراق ، فتقدم إلى مزيّن وقال له : احلق رأسي حلقا جيّدا ، واستقبل الشعر بالموسى ، وأقبل يصف له كيف يعمل . فقال له : حسبك ! هو ذا ، أحلق رأسك حلقا لا يراه أحد إلا اشتهى أن يصفعك . حدّث بعضهم قال : نكب بعض ندماء الخليفة نكبة اضطرّ معها إلى الاستتار ، فاستتر وطال شعره ، فقال للرجل الذي كان مستترا عنده : قد كان لي غلام سنديّ مزين أعتقته ولا أعرف خبره منذ حين ، فاذهب إلى موضع كذا واطلبه ، واجلس إليه ، ثم اذكرني له ؛ فإن رأيته يتوجّع لي فعرّفه مكاني ، وخذ به معك ، وإن رأيته يذمني أو يشكوني فدعه ولا تذكرني له . فذهب الرجل حتى لقيه وجاراه في خبر مولاه . فقال : يا سيدي ، ومن أين تعرفه ؟ فإني - واللّه - تالف شوقا إليه ، واغتماما له ، أحسن اللّه صحبته حيث كان . فقال الرجل : هو عندي ، وقد استدعاك ، فنهض السّنديّ وقبّل يد الرجل ، وصار معه إليه ، فلما دخل إليه أظهر سرورا به ، وقبّل الأرض بين يديه ، وأخذ شعره وحجمه ، فأعطاه دينارا . فلما خرج لقي ابنا له ، فقال له : ويحك ! أليس وجّه إليّ فلان مولاي وهو مستتر في دار فلان في الموضع الفلانيّ ، فصرت إليه وخدمته وحجمته النّقرة وأعطاني دينارا ؟ فقال له ابنه ذلك : حجمته النقرة بلا أخدعين ؟ قتلته ! وليس هذا حقّه علينا ، وما عرّج على شيء حتى قصد الدار التي وصفها له أبوه ، ودقّ الباب ، وقال : أنا فلان ابن خادمك المزيّن ، ففتحوا له ، وقبّل يديه ورجليه ، وأظهر من الاغتمام بأمره ، مثل ما أظهره أبوه ، ثم قال : عرّفني غلامك أبي أنه حجمك النّقرة وحدها ، وهذا وقت حار ، وقد ثار الدم . والوجه أن تحجم الأخدعين . فقال لم يكن بي إلى هذا حاجة ، والآن وقد أشرت به ،