بينما كان أبو الحسن بن الفرات في أيامه الأولى يشرب في يوم ثلاثاء - وهو اليوم الذي قبض عليه في غده - ويعمل في خلال شربه ، إذ مرّت به رقعة فيها : [ البسيط ]
إن كان ما أنتم فيه يدوم لكم * ظننت ما أنا فيه دائما أبدا
لكن سكنت إلى أنّي وأنكم * سنستجدّ خلاف الحالتين غدا
فكأنه اغتمّ بذلك ، ثم أخذ في شأنه ، وقال لجارية كانت في المجلس كان يألف غناءها ، ويتفاءل بما لا تزال تغنيه : غنّي ، فابتدأت وغنت « 1 » :
[ الطويل ]
أمنعيّة بالبين ليلى ولم تمت * كأنّك عمّا قد أظلّك غافل
ستعلم إن جدّت بكم غربة النّوى * ونادوا بليلى أنّ صبرك زائل
فكأنه تنغّص والتاث ، ووافته بدعة الصغيرة ، فقام إلى دار له جديدة ، ودعا بالشراب ، وتناول قدحا ، والتمس من بدعة صوتا فتطلّبت له صوتا تتفاءل به بسبب الدار الجديدة فغنت : [ المنسرح ]
أمرت لي منزلا لأسكنه * فصرت عنه المعبّد القاسي
ولم تحفظ البيت الثاني ، فلما كان من غد حدثت عليه الحادثة .
قال إبراهيم بن المهديّ : لما حصر طاهر الأمين في المدينة كنت معه ، فدعاني ليلة ، فقال : ما ترى طيب هذه الليلة ، وحسن القمر ، وضوأه في الماء ؟
فقلت : إنه لحسن ، فاشرب ، فشرب رطلا ، وسقاني مثله ، وابتدأت فغنيت بما يشتهيه عليّ . فقال : هل لك فيمن يضرب عليك ؟ فقلت : ما أستغني عن ذلك .
فدعا بجارية متقدمة يقال لها : ضعف فتطيرت من اسمها : فلما جاءت قال :
غنّي ، فغنت « 2 » : [ الطويل ]
كليب - لعمري - كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ، ضرّج بالدم
هامش
( 1 ) البيتان للمجنون في ديوانه ص 215 ، والأغاني 2 / 75 .
( 2 ) البيت للنابغة الجعدي في العقد الفريد 5 / 215 ، والحيوان 1 / 322 ، وبهجة المجالس 1 / 63 .