فكتب طاهر إليه : عبد اللّه - يا أمير المؤمنين - ابني . وإن مدحته ذممته وإن ذممته ظلمته ، ولنعم الخلف هو لأمير المؤمنين من عبده .
فكتب إليه المأمون : ما رضيت أن قرّظته في حياتك حتّى أوصيتنا به بعد وفاتك .
قال طاهر : طول العمر ثائر مولاه لأنّه لا يخليك من رؤية محبة في عدوّ .
قال الكلبيّ : قال لي خالد بن عبد اللّه بن يزيد القسري : ما يعدّ السّؤدد فيكم ؟ فقلت : أما في الجاهلية فالرّئاسة وأما في الإسلام فالولاية ، وخير من هذا وذاك التقوى .
فقال لي : صدقت .
كان أبي يقول : لم يدرك الأوّل الشرف إلا بالفعل ، ولا يدرك الآخر إلا بما أدرك به الأوّل .
قال : فقلت : صدق أبوك . ساد الأحنف بحلمه ، وساد مالك بن مسمع بمحبة العشيرة له ، وساد قتيبة بدهائه ، وساد المهلب بجميع هذه الخلال .
فقال لي : صدقت . كان أبي يقول : خير الناس للناس خيرهم لنفسه . إنه إذا كان كذلك أبقى على نفسه من السرق لئلا يقطع ، ومن القتل لئلا يقاد ، ومن الزنى لئلا يحد ، فسلم الناس منه بإبقائه على نفسه .
قيل : وكان عبد اللّه بن يزيد أبو خالد من عقلاء الرّجال .
وقال له عبد الملك يوما : ما مالك ؟ فقال : شيئان لا عيلة عليّ معهما الرّضا عن اللّه عزّ وجل ، والغنى عن الناس .
فلما نهض من بين يديه قيل له : هلا خبرته بمقدار مالك ؟
فقال : لم يعدّ أن يكون قليلا فيحقرني ، أو كثيرا فيحسدني .
وخطب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالمربد عند ظهور أمر الحجاج عليه ، فقال : أيها الناس . إنه لم يبق من عدوّكم إلا كما يبقى من ذنب الوزغة ، تضرب يمينا وشمالا ، فلا تلبث أن تموت .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 60
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٦٠