فترفع يدك عنه وتقول : لعلّي أصادف ما هو أطيب منه ، فإن هذا عجز ووهن . قال : زدني . قال : إذا وجدت خبزا فيه قلة فكل الحروف ، فإن كان كبيرا فكل الأوساط . قال : زدني . قال : لا تكثرنّ شرب الماء وأنت تأكل فإنه يصدّك عن الأكل ويمنعك أن تستوفي . قال : زدني . قال : إذا وجدت الطعام فكل منه أكل من لم يره قط ، وتزود منه زاد من لا يراه أبدا . قال : زدني .
قال : إذا وجدت الطعام ، فاجعله زادك إلى اللّه .
وقال بنان : ما في الدنيا صناعة أخسّ من صناعتي ! قالوا : وكيف ذاك يا أبا الحسن ؟ قال : أنا أطفّل منذ ثلاثين سنة ما أسلموا إلى صبيا يتعلم .
وقال : دخلت يوما على بعض بني هاشم ، فقعدت عنده حتى تغديت معه ، فلما أردت الانصراف قال : هل لك في شيء من الحلواء ؟ قلت : يا سيدي ما أقضي على غائب ! فدعا بجام مخروط محكوك قوائمه منه ، فوقه لوزينج من نشاستج « 1 » الفالوذج ، وبياض البيض ، وحشوه اللوز المقشّر مع سكر الطبرزد « 2 » ملزقا بإلحام العسل الأبيض مندّى بالماورد الجوري ، إذا قلعته سمعت له وقعا كوقع المطرقة على السندان ، وإذا أدخلته الفم سمعت له نشيشا كنشيش الحديد إذا أخرجته من النار وغمسته في الماء ، فلم يزل يأكل ولا يطعمني ، فقلت : يا سيدي :
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
( 4 ) [ الصّافات : الآية 4 ] فأعطاني واحدة ، فقلت :
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
[ يس : الآية 14 ] فأعطاني ثانية ، فقلت :
فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
[ يس : الآية 14 ] فأعطاني ثالثة ، فقلت :
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
[ البقرة : الآية 260 ] ، فأعطاني رابعة ، فقلت :
خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : الآية 22 ] ، فأعطاني خامسة ، فقلت :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
[ الأعراف : الآية 54 ] ، فأعطاني سادسة ، فقلت :
سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
[ الملك : الآية 3 ] فأعطاني سابعة ، فقلت :
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
[ الأنعام : الآية 143 ] فأعطاني ثامنة ، فقلت :
تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
[ النّمل : الآية 48 ] فأعطاني تاسعة ، فقلت :
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة :
هامش
( 1 ) النشاستج : كلمة معربة . شيء يعمل به الفالوذج من النشا .
( 2 ) الطبرزد : السكر الذي نحت من حوافيه القاموس .