تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وكان جعفر أخوه يقول : لا تمتحن هذا فقلّ من امتحنه إلا امتحن فيه . فجلس يوما وأحضر جميع من يحبّ حضوره ، فبينا هو على أتمّ أمر ، وأسرّ حال إذ سمع صراخا ، فسأل عنه ، فكتم ، فألحّ ، فعرف أن ابنته - ولا ولد له غيرها - صعدت درجة فسقطت منها فماتت . فلم يف سروره صدر نهاره بما عقب من غمّه ؛ فكان يقول كثيرا :
تفردت بالكمال * وبالعز والجلال
وملك بلا نفاد * نراه ولا زوال
وشبيه بهذا ما اتّفق على يزيد بن عبد الملك فإنه أحب أن يخلص له يوم فتقدّم بأن تطوى عنه الأخبار ، وأجل حبابة عن يمينه ، وسلّامة عن يساره ، يشرب وتغنّيان ، فلمّا صلّيت العصر شربت حبابة قدحا ، وتنقّلت بحبّ رمّان فشرقت به وماتت ، فكمد عليها يزيد ، ومات بعد خمسة عشر يوما . وكان جعفر بن سليمان نهاية في الجلالة والشرف ، ولي المدينة للمنصور بعد انقضاء أمر محمد وإبراهيم . فأعطى الأموال . ووصل الشعراء وأمّن الناس ، وشفع فيهم . ويقال إنه سقط من ظهره إلى الأرض ما به نسمة من ذكر وأنثى . قال الأصمعي : ما رأيت أكرم أخلاقا ولا أشرف فعالا من جعفر بن سليمان ؛ فتغدينا معه فاستطاب الطعام ، فقال لطبّاخه : قد أحسنت وسأعتقك وأزوّجك . فقال الطباخ : قد قلت يا سيدي هذا غير مرة وكذبت . قال : فو اللّه ما زاد على أن ضحك ، وقال لي : يا أصمعي ، إنما يريد البائس « وأخلفت » قال الأصمعي : وإذا هو قد رضي بأخلفت . ذكر الأصمعي أن ابن ميّادة « 1 » امتدح جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة ، فقبّل يده وقال : واللّه ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحدا . فقال : أهو المنصور ؟
هامش
( 1 ) ابن ميادة : هو الرماح بن أبرد بن ثوبان ، يعرف بابن ميادة ، وميادة أمّه ، وهو شاعر مخضرم أدرك الدولتين الأموية والعباسية ، مدح من بني أمية الوليد بن يزيد ، وعبد الواحد بن سليمان ، وبقي إلى زمن المنصور ومدح من بني هاشم أبا جعفر المنصور ، وجعفر بن سليمان ، توفي سنة 136 ه ( معجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 482 ) .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 312 | خالد عبد الغني محفوظ / أبو سعد منصور بن الحسين الآبي