وكان محمد من رجال بني هاشم وشجعانهم ، وأمّه وأمّ أخيه جعفر وأخته زينب أمّ حسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا .
وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشيّة من عشايا الصيف ، فرأى الحرّ شديدا ، فقال : رشّوا هذا الموضع ، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسمائة قربة مملوءة ماء ، فرشّوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه .
وكانت غلّته في كل يوم مائة ألف درهم ، وسمع دعاؤه في السّحر اللهم أوسع عليّ ؟ فإنه لا يسعني إلا الكثير .
ولما مات المنصور بمكة ، وتلوّى الناس على الربيع في تجديد البيعة للمهدي ، جرّد محمد سيفه ، وقال : واللّه لئن امتنع أحد منكم عن البيعة لأرمينّ برأسه ، فبادروا إلى البيعة ، فشكر المهديّ ذلك فرفعه وزوّجه ابنته العباسة ، ونقلها إليه ، وهي أول بنت خليفة نقلت من بلد إلى بلد .
ولما أراد أن يدخل بالعباسة شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه في كلّ يوم ، فأشار عليه بألّا يتصنّع ، ويقتصر على ما كان يلبسه في كل يوم ، فلم يقبل منه ، وعمد إلى ثياب دبيقيّة كأنها غرقئ البيض فلبسها ، فرأتها عليه ، فلما كان الغد دخل عليها وإذا هي في دار قد فرشت بالدّبيقي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه ، فعلم أن كاتبه كان قد نصحه وتمثّل :
[ الطويل ]
أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى * فلم تستبينوا الرّشد إلا ضحى الغد « 1 »
وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم ، ويوم الفطر بمائة ألف وفي كل يوم بكرّين من الدقيق .
ولم يكن له ولد إلا بنت واحدة ، وماتت قبله ، فذكر أنه قال : أشتهي واللّه أن يصفو لي يوم لا يعارض سروري فيه هم .
هامش
( 1 ) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص 61 .