تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
يستنّ به ولده ويقع منه ما لا تلافي له ، ولا بقيا معه . وأمير المؤمنين يعلم أن من جعل هذا الأمر إليه وله ، من غير شرط فيه عليه - محكم في تدبيره ، مخيّر في تصريفه ، ولا شرط عليّ في تسليم الأمر من بعدي إلى أحد ذكر ولا شخص عيّن ، وقد جعلته لمحمد بعدي ، طالبا بذلك رضا أمير المؤمنين ، وتابعا موافقته ، وتاركا مخالفته ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى سالفتي وقرابتي ، ويعرف اجتهادي ومناصحتي ، ويذكر مخالطتي وكفايتي ، ويقبل ذلك مني ، ويأمر بكفّ الأذى عني فعل إن شاء اللّه . فكتب إليه المنصور جوابا أغلظ فيه وخوّفه بادرة أهل خراسان فأنعم له بما أراد من تقديم المهدي على نفسه ، ثم سأله المهدي لما أفضي الأمر إليه أن يخلع نفسه ويجعل العهد لموسى ابنه ، ففعل . وكان يقول : ما لقي أحد ما لقيت . كلّ أهلي أمنوا بعد خوف ، وأنا خفت بعد أمن ، وسممت مرتين ، وخلعت مرتين . مع قديم بلائي ، وطول غنائي . كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام . فكان إذا وجه سرية إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما ، وقال له : اعلم أنّك مضارب اللّه بخلقه ؛ فكن بمنزلة التاجر الكيّس ، إن وجد ربحا تجر ، وإلّا احتفظ برأس المال ، وكن من احتيالك على عدوّك أشد حذرا من احتيال عدوّك عليك . وولي العباس بن زفر الثغر ، فودّعه فقال يا عباس : إن حصن المحارب من عدوّه حسن تدبيره ، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه ؛ وقد قال ابن هرمة : [ الطويل ]
يقاتل عنه الناس مجلود رأيه * لدى البأس ، والرأي الجليد مقاتل
وقال له الرشيد مرة وقد غضب عليه : يا عديّ الملك ، واللّه ما أنت لصالح بولد . قال : فلمن أنا ؟ قال : لمروان بن محمد ، أخذت أمّك وهي حبلى بك ، فوطئها على ذاك أبوك فقال عبد الملك : فحلان كريمان ، فاجعلني لمن شئت منهما . وهذا شبيه بما قاله مروان بن محمد حين بلغه أن الناس يقولون إنّ هذه الشجاعة التي لأمير المؤمنين لم تكن لأبيه ولا لجدّه ، وإنما جاءته من قبل