معروف أجرا قط . . . واضطرب أبو دلف وقال : إن رأيت أن تكمل النعمة عندي ، وتتمّها عليّ بقبولها ، فقال : أفعل ، هي لي عندك ؛ فإذا لزمتني حقوق القوم يقصر عنها مالي صككت عليك بما تدفعه عليهم إلى أن أستنفدها ، فقنع أبو دلف بذلك ، فما زال يصكّ عليه للناس ، حتى أفناها من غير أن يصل إلى العباس درهم منها .
وسأل العباس الفضل بن الربيع حاجة ، فقضاها له سريعا كما أراد ، فقال له : جزاك اللّه خيرا ، فما في دون ما أتيت به تقصير ولا نقصان ، ولا فوقه إحسان ولا رجحان .
ووصف رجلا ثقيلا ، فقال : ما الحمام على الأحرار ، وحلول الدّين مع الإقتار ، وشدّة السّقم في الأسفار بألم من لقائه .
وذمّ أبا عباد - وهو وزير - فقال : الذّليل من اعتزّ بك ، والحائن من اعتزى إليك ، والخائب من أمّلك ، والسقيم من استشفاك .
وكان ابنه عبد اللّه شاعرا فصيحا يشبّه بأبيه ، ووقف على باب المأمون يوما ، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق ، فقال عبد اللّه لقوم معه : إنه لو أذن لنا لدخلنا ، ولو صرفنا لانصرفنا ، ولو اعتذر لنا لقبلنا . فأمّا الفترة بعد النّظرة ، والتّوقّف بعد التّعرّف فلا أفهمه . ثم تمثّل : [ الطويل ]
وما عن رضا كان الحمار مطيّتي * ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
وانصرف ؛ فبلغ المأمون كلامه فصرف الحاجب ، وأمر لعبد اللّه بصلة جزيلة وعشر دوابّ .
وكتب إلى المأمون : الناس ثلاثة : رجل ورث خلافة أو احتقب بقرابة ، فهو من قليلها في كثير ، ومن صغيرها في كبير ، أو رجل ولي ولاية فأطلق له من عمالته وأرزاقه ما لو سأل الجزء منه من أجزاء كثيرة على غيرها لما أجيب إليه . أو رجل خفّ عياله وقلّ ماله ، فصغر قدره عن إساءة وإحسان . فهو كالخردلة تقع بين طبقي الرّحا ، فلا الطّحن ينالها ، ولا سلامتها يعتدّ بها . فأما من كان عياله ثلاثمائة إنسان ، لا يرجع إلى أثاث ولا متجر ولا صناعة ولا