تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وقال : ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم لمن صرّحت له العبر ألّا يهيج على التّقوى زرع قوم ، ولا يظمأ على التّقوى سنخ أصل . ألا وإن أبغض خلق اللّه إلى اللّه رجل قمش علما « 1 » ، غارّا بأغباش الفتنة ، عميا بما في غيب الهدنة ، سمّاه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما ، بكّر فاستكثر . مما قلّ منه فهو خير مما كثر ، حتى إذا ما ارتوى من آجن ، واكتنز من غير طائل ، قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره ، إن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ حشوا من رأيه ، فهو من قطع الشّبهات في مثل غزل العنكبوت ، لا يعلم إذا أخطأ ؛ لأنّه لا يعلم أخطأ أم أصاب . خبّاط عشوات ركّاب جهالات ، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم ، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع ، يذرو الرّواية ذرو الرّيح الهشم ، تبكي منه الدّماء وتصرخ منه المواريث ، ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام . لا مليء واللّه بإصدار ما ورد عليه ، ولا أهل لما قرّظ به . وكتب إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ : إنّي أشركتك في أمانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، والعدوّ قد حرب ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ ، بفراقه مع المفارقين ، وخذلانه مع الخاذلين ، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ « 2 » دامية المعزى ضحّ رويدا ، فكأن قد بلغت المدى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغترّ بالحسرة ، ويتمنّى المضيّع التّوبة ، والظّالم الرّجعة . وروي عنه عليه السلام - أنه قال يوم الشّورى لما تكلم عبد الرّحمن بن عوف « 3 » بما تكلم :
هامش
( 1 ) قمش علما : أي جمع من هنا وهناك . ( 2 ) الذئب الأزل : الخفيف السريع الحركة . ( 3 ) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة ، أبو محمد القرشي الزهري ، أسلم قديما على يدي أبي بكر الصديق ، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة ، وشهد بدرا وما بعدها ، توفي سنة 32 ه ( البداية والنهاية 7 / 158 - 160 ) .