سيّما إذا كانت من طينته ، وهي ابنة عمّي لحّا « 1 » ، طينتها طينتي ، ومدينتها مدينتي ، وعمومتها عمومتي ، وأرومتها أرومتي « 2 » ، لكنّها أوسع منّي خلقا ، وأحسن خلقا ، وصدّعني « 3 » بصفات زوجته ، حتّى انتهينا إلى محلّته ، ثمّ قال : يا مولاي ترى هذه المحلّة ؟ هي أشرف محالّ بغداد ، يتنافس الأخيار في نزولها ، ويتغاير الكبار في حلولها ، ثمّ لا يسكنها غير التّجّار ، وإنّما المرء بالجار وداري في السّطة من قلادتها « 4 » ، والنّقطة من دائرتها ، كم تقدّر يا مولاي أنفق على كلّ دار منها ؟ قله تخمينا ، إن لم تعرفه يقينا ، قلت : الكثير ، فقال : يا سبحان اللّه ! ما أكبر هذا الغلط ! تقول الكثير فقط ؟ وتنفّس الصّعداء « 5 » ، وقال :
سبحان من يعلم الأشياء ، وانتهينا إلى باب داره ، فقال : هذه داري ، كم تقدّر يا مولاي أنفقت على هذه الطّاقة « 6 » ؟ أنفقت واللّه عليها فوق الطّاقة « 7 » ، ووراء الفاقة « 8 » ، كيف ترى صنعتها وشكلها ؟ أرأيت باللّه مثلها ؟ انظر إلى دقائق الصّنعة فيها ، وتأمّل حسن تعريجها ، فكأنّما خطّ بالبركار « 9 » ، وانظر إلى حذق النّجّار في صنعة هذا الباب ، اتخذه
هامش
( 1 ) لحا : أي شديدة القرابة .
( 2 ) الأرومة : الأصل .
( 3 ) صدعني : سبب لي الصداع أو ألم الرأس .
( 4 ) السطة : الوسط .
( 5 ) تنفس الصعداء : زفر الهواء من صدره وأطال ذلك دليل التفريج عن الكرب أو الشدة .
( 6 ) الطاقة : الشباك أو النافذة الصغيرة .
( 7 ) الطاقة : القدرة .
( 8 ) الفاقة : الحاجة والعوز . إذ انه أنفق مالا كثيرا على شرائها .
( 9 ) البركار : آلة لرسم الدوائر على الورق يستعملها المهندسون .