تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات بديع الزمان الهمذاني — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الخوان مكانها ، ومن القلوب أوطانها ، قام أبو الفتح الإسكندريّ يلعنها وصاحبها ، ويمقتها وآكلها ، ويثلبها وطابخها ، وظننّاه يمزح فإذا الأمر بالضّدّ ، وإذا المزاح عين الجدّ ، وتنحّى عن الخوان ، وترك مساعدة الإخوان ، ورفعناها فارتفعت معها القلوب ، وسافرت خلفها العيون ، وتحلّبت « 1 » لها الأفواه ، وتلمّظت لها الشّفاه « 2 » ، واتّقدت لها الأكباد ، ومضى في إثرها الفؤاد ، ولكنّا ساعدناه على هجرها ، وسألناه عن أمرها ، فقال : قصّتي معها أطول من مصيبتي فيها ، ولو حدّثتكم بها لم آمن المقت ، وإضاعة الوقت ، قلنا : هات ، قال : دعاني بعض التّجّار إلى مضيرة وأنا ببغداد ، ولزمني ملازمة الغريم ، والكلب لأصحاب الرّقيم « 3 » ، إلى أن أجبته إليها ، وقمنا فجعل طول الطّريق يثني على زوجته ، ويفدّيها بمهجته ، ويصف حذقها في صنعتها ، وتأنّقها في طبخها ويقول : يا مولاي لو رأيتها ، والخرقة في وسطها ، وهي تدور في الدّور ، من التّنّور إلى القدور ومن القدور إلى التّنّور « 4 » ، تنفث بفيها النّار ، وتدقّ بيديها الأبزار « 5 » ، ولو رأيت الدّخان وقد غبّر في ذلك الوجه الجميل ، وأثّر في ذلك الخدّ الصّقيل ، لرأيت منظرا تحار فيه العيون ، وأنا أعشقها لأنّها تعشقني ، ومن سعادة المرء ، أن يرزق المساعدة من حليلته ، وأن يسعد بظعينته « 6 » ، ولا
هامش
( 1 ) تحلبت لها الأفواه : سال لعابها . ( 2 ) تلمظت لها الشفاه : لحس اللسان ما على الشفتين من آثار الطعام . ( 3 ) أصحاب الرقيم : أصحاب الكهف الذين ورد ذكرهم في القرآن . ( 4 ) التنور : الفرن ، ما يخبز فيه الخبز . ( 5 ) الأبزار : جمع بزر ، ما يوضع على الطعام كالفلفل والقرنفل وسائر التوابل . ( 6 ) الظعينة : المرأة .