على أنّي سأنشد عند بيعي * أضاعوني « 1 » وأيّ فتى أضاعوا « 2 »
قال : فلمّا وعى الشّيخ أبياته « 3 » ، وعقل مناغاته « 4 » ، تنفّس الصّعداء ، وبكى حتّى أبكى البعداء ، ثمّ قال لي : إنّي أحلّ هذا الغلام محلّ ولدي ، ولا أميّزه عن أفلاذ كبدي « 5 » ، ولولا خلوّ مراحي « 6 » ، وخبوّ مصباحي « 7 » ، لما درج عن عشّي « 8 » ، إلى أن يشيّع نعشي « 9 » . وقد رأيت ما نزل به من لوعة البين « 10 » ، والمؤمن هين لين « 11 » ، فهل لك في تسلية قلبه ، وتسرية كربه « 12 » ، بأن تعاهدني على الإقالة فيه متى استقلت « 13 » ، وأن لا تستثقلني إذا ثقّلت « 14 » . ففي الآثار « 15 » المنتقاة « 16 » ، المرويّة عن الثّقات « 17 » : من أقال نادما بيعته ، أقاله اللّه عثرته . قال الحارث بن همّام : فوعدته وعدا أبرزه الحياء ، وفي القلب أشياء ، فاستدنى حينئذ الغلام إليه « 18 » ، وقبّل ما بين عينيه ، وأنشد والدّمع يرفضّ « 19 » من جفنيه :
خفّض « 20 » فدتك النّفس ما تلاقي * من برحاء « 21 » الوجد والإشفاق « 22 »
هامش
( 1 ) أي لم يعرفوا قدري .
( 2 ) مبالغة في عدم مراعاة حقه ومعرفة قدره .
( 3 ) أي عرف وأدرك معناها .
( 4 ) أي كلامه وأصل المناغاة تكليم الطفل الصغير بما يسره ويعجبه كما تفعل الأمهات بأولادها والنغية كالنغمة وفي كلام معاوية رضي اللّه عنه واها لها نغية ما أبردها على الكبد .
( 5 ) الأفلاذ جمع فلذة بالكسر وهي القطعة وكنى بها عن الأولاد قال الشاعر :وإنما أولادنا بيننا * أكبادنا تمشي على الأرض. ( 6 ) منزلي .
( 7 ) أي خمود سراجي .
( 8 ) يعني لما خرج من بيتي .
( 9 ) إلى أن أموت ويشيع جنازتي .
( 10 ) أي حرقة الفراق .
( 11 ) أي سهل الأخلاق .
( 12 ) أي إزالته .
( 13 ) أي طلبت الإقالة .
( 14 ) أي أكثرت الكرم عليك في ذلك .
( 15 ) أي الأخبار .
( 16 ) المختارة .
( 17 ) الأمناء الذين يوثق بهم جمع ثقة .
( 18 ) استدناه قرّبه منه .
( 19 ) أي يترشش ويتفرق .
( 20 ) هون عليك .
( 21 ) شدة .
( 22 ) لخوف .