تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقامات الحريري ( المقامات الأدبية ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
قال : فلمّا تأمّلت خلقه القويم « 1 » ، وحسنه الصّميم « 2 » ، خلته « 3 » من ولدان جنّة النّعيم ، وقلت : ما هذا بشرا ! إن هذا إلّا ملك كريم . ثمّ استنطقته عن اسمه « 4 » ، لا لرغبة في علمه ، بل لأنظر أين فصاحته من صباحته « 5 » ، وكيف لهجته « 6 » من بهجته . فلم ينطق بحلوة ولا مرّة « 7 » ، ولا فاه « 8 » فوهة ابن أمة ولا حرّة . فضربت عنه صفحا « 9 » ، وقلت له : قبحا لعيّك « 10 » وشقحا « 11 » فغار في الضّحك وأنجد « 12 » ، ثمّ أنغض رأسه « 13 » إليّ وأنشد :
يا من تلهّب غيظه إذ لم أبح * باسمي « 14 » له ما هكذا من ينصف إن كان لا يرضيك إلّا كشفه * فأصخ « 15 » له أنا يوسف أنا يوسف « 16 » ولقد كشفت لك الغطاء فإن تكن * فطنا عرفت وما إخالك تعرف
قال فسرّى عتبي « 17 » بشعره ، واستبى لبّي « 18 » بسحره « 19 » ، حتّى شدهت « 20 » عن التّحقيق ، وأنسيت قصّة يوسف الصّدّيق . ولم يكن لي همّ إلّا مساومة مولاه فيه « 21 » ، واستطلاع طلع الثّمن « 22 » لأوفيه . وكنت أحسب أنّه سينظر شزرا إليّ ،
هامش
( 1 ) المستقيم الحسن . ( 2 ) الخالص . ( 3 ) حسبته . ( 4 ) سألته أن ينطق باسمه . ( 5 ) حسن وجهه . ( 6 ) اللهجة طرف اللسان والمراد لفظه . ( 7 ) أي بكلمة حسنة ولا قبيحة . ( 8 ) تكلم . ( 9 ) أعرضت وأملت عنه جانبا . ( 10 ) العي هو العجز عن أداء الكلام بما في المرام . ( 11 ) بعدا وقيل هو اتباع لقبحا أو هو من شقح البسر إذا تغيرت خضرته بحمرة أو صفرة وقيل من شقحت العود إذا كسرته وقبحا وشقحا بضم أولهما وفتحه . ( 12 ) أي بالغ فيه وخفض رأسه مرة ورفعه أخرى وذلك من غلبة الضحك وأصل غار الرجل إذا أتى الغور وهو ما انخفض من الأرض وأنجد إذا أتى النجد وهو ما ارتفع منها . ( 13 ) حركه متعجبا على سبيل الاستهزاء ومنه قوله تعالىفَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ .( 14 ) أظهر وأتكلم باسمي . ( 15 ) أي استمع . ( 16 ) يعني أنا حرّ لا يجوز بيعي يشير به إلى بيع يوسف الصديق عليه السلام . ( 17 ) أي أذهب غيظي من سروت عنه الثوب إذا نزعته . ( 18 ) أي ملك قلبي وأسره . ( 19 ) ببيانه وحسن كلامه . ( 20 ) تحيرت . ( 21 ) مطالبته بالسوم وهو عرض القيمة على المشتري وذكر الثمن . ( 22 ) أي قدره .
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية ) — صفحة 363 | أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري