يا خاطب الدّنيا الدّني * ية إنّها شرك الرّدى
دار متى ما أضحكت * في يومها أبكت غدا
وإذا أظلّ سحابها * لم ينتقع منه صدى
غاراتها ما تنقضي * وأسيرها لا يفتدى
كم مزدهى بغرورها * حتّى بدا متمرّدا
قلبت له ظهر المجن * ن وأولغت فيه المدى
فاربأ بعمرك أن يمرّ * مضيّعا فيها سدى
واقطع علائق حبّها * وطلابها تلق الهدى
وأرقب إذا ما سالمت * من كيدها حرب العدى
واعلم بأنّ خطوبها * تفجا ولو طال المدى
فالتفت الوالي إلى الغلام ، وقال : تبّا « 1 » لك من خرّيج « 2 » مارق « 3 » ، وتلميذ « 4 » سارق . فقال الفتى : برئت « 5 » من الأدب « 6 » وبنيه « 7 » ، ولحقت بمن يناويه « 8 » ، ويقوّض « 9 » مبانيه . إن كانت أبياته نمت « 10 » إلى علمي ، قبل أن ألّفت نظمي ، وإنّما اتّفق توارد الخواطر « 11 » ، كما قد يقع الحافر على الحافر « 12 » . قال :
فكأنّ الوالي جوّز صدق زعمه « 13 » ، فندم على بادرة « 14 » ذمّه ، فظلّ « 15 » يفكّر في ما يكشف له عن الحقائق ، ويميّز به الفائق « 16 » ، من المائق « 17 » . فلم ير إلّا
هامش
( 1 ) أي خسرا وهلاكا .
( 2 ) الخرّيج الذي خرّجته في صناعتك يقال خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ فهو خرّيج وخرّجه غيره فتخرّج فهو خرّيج .
( 3 ) أي خارج عن الطاعة .
( 4 ) متعلم .
( 5 ) أي تنحيت وانفصلت .
( 6 ) الشعر .
( 7 ) أهله .
( 8 ) المناواة والنواء المعاداة وأصله الهمز لأنه من ناء ينوء إذا نهض تقول نؤت إليه إذا نهضت إليه بالعداوة .
( 9 ) أي يهدم .
( 10 ) أي ارتفعت وبلغت .
( 11 ) التوارد بين الشاعرين أن يقول كل واحد منهما ما قال صاحبه من غير أن يكون اطلع عليه مأخوذ من ورود الحيين الماء من غير مواعدة .
( 12 ) مثل يضرب لتوافق الأشياء .
( 13 ) أي قوله .
( 14 ) أي سابقة .
( 15 ) أي فمكث .
( 16 ) هو الفاضل .
( 17 ) الأحمق الضعيف التدبير .