كان يساويه ويبقى له الباقي وزرا ، فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والدواء عن أثر في الجسد بحكم سنة اللّه تعالى ، فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر عن تأثير في إنارة القلب وتسويده وفي تقريبه من اللّه تعالى وتبعيده .
وأما ما ورد في الأخبار من أن الرئاء محبط للعمل مطلقا فالمراد به الرئاء المحض أو الغالب على الخير فلا تناقص أصلا .
المطلب الرابع في الصدق
وفضيلته مذكورة في كل طبع ولا حاجة إلى التنبيه عليها .
وأما حقيقته ومراتبه ؛ فاعلم : أن الصدق يستعمل في ستة معان :
صدق في القول ، وفي النية ، وفي الإرادة ، وفي العزم وفي الوفاء بالعزم ، وفي العمل ، وفي تحقيق مقامات الدين كلها . والمتصف بالصدق في جميع ذلك يسمى صديقا لأنه مبالغة في الصدق .
الأول ؛ أعني صدق اللسان : لا يكون الا في الأخبار أو فيما يتضمنها ، فالخبر إما ماض أو مستقبل ، ويدخل فيه الوفاء بالوعد والخلف فيه .
وهذا الصدق الواقع في اللسان واجب على كل أحد وله كمالان :
أحدهما : الاحتراز عن المعاريض لأنه في حكم الكذب من حيث أنه تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه ، وان صلح لغيره أيضا الا أنه قد يترجع على الصدق في بعض المواضع : في تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجرى هؤلاء ، وفي الحذر من الظلمة ، وفي قتال الأعداء والاحتراز عن اطلاعهم على أسرار الغزاة . والصدق هاهنا يتحول إلى النية .
والكمال الثاني : أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه ؛ كما في قولك : اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، فينبغي أن يكون قلبه متوجها اليه عند كلامه ، وكذا إذا قلت : إياك نعبد ، ينبغي أن لا