عن النظر وهو الاخلاص حقا .
ثم بيان درجات الشوائب المكدرة للاخلاص على مراتب : جلي ، وخفي ضعيف مع الجلاء ، وقوي مع الخفاء . واظهر مشوشاتها الرئاء ، مثل أن يدخل داخل وهو يصلي فحسن صلاته لأجل أن يقول له أنه صالح ، أو لا يتبع الشيطان في ذلك الا أنه يحسن ليقتدى به ويتأسى غيره به فيكون له مثل ثواب أعمالهم ، أو لا يتبع الشيطان في ذلك أيضا فيحسن في الخلوة والملأ معا ، وهذا أيضا مكر لأن هذه التسوية من النظر إلى الخلق ، أو لا يتبع الشيطان في ذلك أيضا الا أنه إذا حضر أحد وهو في صلاته يقول له الشيطان : تفكر في عظمة اللّه وجلاله ، واستحى من أن ينظر اللّه إلى قلبك وأنت غافل عنه ، فيظنه المسكين اخلاصا فيتبعه وهو عين المكر والخداع ، فإنه لو كان اخلاصا لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة . والفرق بين الخلوة والملأ من شوب الرئاء الخفي .
واعلم : أن العمل إذا كان محض رئاء يستحق صاحبه المقت والعقاب ، وإذا كان خالصا لوجه اللّه يستحق الثواب . وانما الخلاف في العمل المشوب المفهوم من ظواهر الأخبار ان لا ثواب له أصلا ، وقد يعارض فيه بعض الأخبار بعضا .
فالذي ينقدح لنا فيه ، والعلم عند اللّه : أن ننظر إلى قدر الباعث الديني والباعث النفسي ، فان تساويا تساويا تساقطا فالعمل لا له ولا عليه ، وان قوي الباعث النفسي فالعمل غير نافع بل مقتض للعقاب وان كان أخف من عقاب رئاء لم يمتزج فيه جهة قرب أصلا ، وان قوي الباعث الديني فله ثواب بقدر زيادته ، لقوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
« 1 » ؛ ولقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
« 2 » .
فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير ، بل إن كان غالبا على الرئاء حبط منه القدر الذي يساويه ويبقى له الفضل ثوابا ، وان كان مغلوبا محى من الوزر ما
هامش
( 1 ) سورة الزلزلة ، آية : 9 .
( 2 ) سورة النساء ، آية : 40 .