تدوم لأهلها بل تظهر كالبرق الخاطف ، والدوام نادر عزيز الوجود .
ولما كانت الرتبة الرابعة بعيدة عن الافهام ، لا جرم بينا التوكل على الرتبة الثالثة . ولنذكر منها قدر ما يرتبط التوكل به : وهو أنه إذا انفتحت لك أبواب المشاهدة ، يتضح عندك ان لا فاعل الا اللّه ، وان كان فعل : من التخليق والترزيق والمنع والاعطاء والاحياء والإماتة ، وغير ذلك ، كلها من ابداع فاعل واحد واختراعه ، وهو اللّه تعالى لا شريك له فيها ، وما سواه مسخرون تحت قدرته ، لا استقلال لهم أصلا في ملكوت السماوات والأرض ولو بتحريك ذرة ، فعند معرفة هذا الأمر لم تنظر غيره ، بل يصير اليه خوفك ورجاؤك وثقتك واتكالك .
وانما يصدك الشيطان عن هذا في مقامين :
أحدهما : الالتفات إلى الجمادات ؛ كاشتراط الغيم في المطر ، أي : بأن يؤثر فيه ، وهذا شرك في التوحيد وجهل بحقائق الأمور ، بل المؤثر واحد لا غير .
وثانيهما : الالتفات إلى اختيار الحيوانات ، بأن هذا الشخص يقدر أن يعطى رزقك ويمنعه أيضا ، وعند هذا زل أقدام الأكثرين ، الا عباد اللّه المخلصين الذين لا سلطان عليهم للشيطان . ومن لم ينشرح بنور اللّه صدره قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السماوات والأرض ، ومشاهدة كونه قهارا وراء الكل ، والذين يسمعون من كل ذرة في السماوات والأرض تقديسها وتسبيحها للّه ، وشهادتها على أنفسها بالعجز بلسان ذلق يتكلم بلا حرف ولا صوت ، ولا بالسمع الظاهر الذي يشاركك فيها الحمار ، بل سمعا يدرك به كلام ليس بحرف ولا صوت ، ولا هو عربي ولا عجمي يشهدون ، ويشاهدون من كل شيء بالعجز ، وان لا قدرة الا من مبدع الكل وخالقها وان لم يسمعه ولم يشاهده الذين هم عن السمع معزولون .
وكيفية المناجاة مع الجمادات في السر أمر لا يمكن كشفها ؛ إما لأن افشاء السر غير جائز إذ صدور الأحرار قبور الأسرار ، أو لعدم تناهى تلك الكلمات