تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
العينان لينظر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ، ويتقي بهما ما يضره فيهما ، فمن نظر إلى وجه غير المحرم فقد استعملهما في غير ما أريدتا له فكفر نعمة الأبصار ، وهكذا في سائر الأعضاء . فان قلت : إذا كان الكل راجعا إلى فعل اللّه فكيف يكون العبد موصوفا بالشكر والكفران . فاعلم : ان تمام تحقيق هذا المقام لا يعرفه الا من علم منطق الطير ، ولا يجهله الا من عجز عن الإيضاع في السير . واجمال هذا هو : أن صفات اللّه تعالى أجل وأعلى من أن يلحقها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها ، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم ، فاستعاروا من حضيض البشرية أمورا لها مناسبة معها تناسبا ضعيفا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة مثلا ، وكذا المشيئة ، مع قصور اللفظين عن كنه جلال ذينك الوصفين . ثم الأفعال الصادرة عن القذرة : اما أن ينساق إلى غاية حكمتها أو يقف دونها . ثم إن هذين من حيث نسبة المشيئة إلى الأول يسمى محبوبا ، وإلى الثاني مكروها . ثم تعلق صفة المشيئة في الأزل إلى بلوغ شخص نهاية حكمته بتسليط دواعيه عليه قهرا يسمى رضى ، وتعلقها في الأزل إلى وقوفه دون نهايتها باستيقاف دواعيه عن ذلك قهرا يسمى غضبا . ثم إذا ظهر هذا التقدير الأزلي في الشخص اما في الأول فيسمى الشكر ويردفه بالثناء ، وأما في الثاني فيسمى بالكفران ويتبعه نقمة اللعن والمذمة زيادة في النكال . فحاصله : أن أعطى الجمال فأثنى عليه ، وأعطى النكال فقبحه ؛ كملك أعطى لمملوكه الثياب النفيسة وكسى هواياه ، ثم وصفه الملك بالجمال ، وكذا في ضده ، فهو المثني والمثنى عليه بكل حال ، فكأنه أثنى على نفسه من حيث المعنى وليس العبد الا حرف الثناء من حيث الظاهر . والصورة هكذا تسلسلت الأسباب والمسببات بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب . ولما لم يكن ذلك عن اتفاق وبحث ، بل عن إرادة وحكمة وحكم حق وأمر جزم استعير له لفظ القضاء فهو كلمح البصر ، ثم استعير لترتيب آحاد