تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وذلك لأن المراد بالشكر ليس الا انصراف نعمة اللّه في جهة محبة اللّه ، فإذا انصرفت في جهة المحبة بفعل العبد لفعل اللّه فقد حصل المراد ، وفعلك عطاء من اللّه . ومن حيث إنه فعله فقد اثنى عليك ، وثناؤه نعمة أخرى منه إليك ، فهو الذي أعطى وهو الذي أثنى ، وصار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبة اللّه ، فله الشكر على كل حال . وأنت موصوف بأنك عالم وعارف ولا بمعنى انك خالق علم وموجد بل بمعنى أنك محل له ، وقد وجد بالقدرة الأزلية فيك ، فوصفك بأنك شاكر اثبات مشيئة . فقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعلموا وكل ميسر لما خلق له » يريد به : أن الخلق مجاري قدر اللّه ومحل أفعاله وان كانوا هم أيضا من أفعاله ، ولكن بعض أفعاله محل لبعض ؛ وقوله : اعلموا ، وان كان جاريا على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو فعل من أفعال اللّه عز وجل ، وهو سبب لعلم الخلق بأن العمل نافع وان علمهم فعل من أفعال اللّه . والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة بالطاعة ، وانبعاث الداعية أيضا من فعل اللّه ، وهو سبب لحركة الأعضاء ، وهي أيضا من أفعال اللّه ، ولكن بعض أفعاله كان سببا لبعض أفعاله ، أي الأول شرط للثاني ، أي أنه لا يستعد لقبول العلم الا ذو حياة ولا لقبول الإرادة الا ذو علم ، فيكون بعض أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى لا بمعنى ان بعض أفعاله موجد لغيره بل ممهد شرط الحصول لغيره . وهذا إذا حقق يرتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه . واعلم : ان هذا التمهيد مما لا تجده في كتب أحد فلا تغفل عن تحصيله واذعانه . ثم انك إذا عرفت ذلك لعلك تتبع شيطان الوهم ، وتقول : وإذا لم يكن الينا شيء بل رجع الكل إلى اللّه فلا نذم أصلا فلا حاجة إلى الطاعة . فنقول : اعلم أن قول اللّه تعالى : « اعملوا » سبب لحصول اعتقاد فينا بوجوب العمل ، وذلك سبب لهيجان الخوف ، وهو سبب لترك الشهوات والتجافي عن دار الغرور ، وذلك سبب للوصول إلى جوار اللّه ، واللّه مسبب