تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
عداه ، وهكذا تتفاوت الدرجات إلى أن يرى ما سواه فانيا ولا يرى في الوجود الا اللّه تعالى . ثم هذا قد يلوح لبعضهم كالبرق الخاطف ، ومنهم من يثبت له ذلك ، ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز .
وكل إلى شأو العلى حركاته * ولكن عزيز في الرجال ثباته
ولما أمر صلى اللّه عليه وسلم بطلب القرب ، فقيل له : « واسجد واقترب » قال في سجوده : « أعوذ بعفوك من عقابك » حيث لم ير الا اللّه وأفعاله ، واستعاذ بفعله من فعله ؛ ثم اقترب وقال : « أعوذ برضاك من سخطك » حيث ترقى من مشاهدة الافعال إلى مشاهدة الصفات ؛ ثم اقترب وقال : « أعوذ بك منك » حيث ترقى من مشاهدة الصفات إلى الفرار منه اليه من غير رؤية فعل وصفة ، لكنه رأى نفسه ، ثم اقترب حتى فنى عن مشاهدة نفسه ، إذ رأى ذلك نقصانا ؛ واقترب فقال : لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . فقوله : لا أحصى ثناء عليك ، تعبير عن فناء نفسه ؛ وقوله : أنت كما أثنيت على نفسك ، بيان أنه المثنى والمثنى عليه ، وان الكل منه بدأ واليه يعود ، وان كل شيء هالك الا وجهه ، فكان أول مقامه نهاية مقامات الموحدين ، ومع ذلك كان يرى كل مرتبة بعدا بالقياس إلى ما بعده ، ولذلك قال أنه ليغان على قلبه ، وكان أول أمر اللّه آخر مقامات الموحدين . هذا نظر التوحيد . وأما نظر غيره : ففيه الشاكر والمشكور والشكر . ثم إن نعم اللّه تعالى آلات ان استعملها في الطاعة شكر لموافقته محبة مولاه ، وان لم يستعملها في الطاعة واستعملها في المعصية كفر للنعمة للتضييع ، وكل ما في الدنيا خلق آلة للعبد يتوصل به إلى سعادة الآخرة ونيل القرب من اللّه ، فالمعصية والطاعة تشتملها المشيئة ولكن لا تشتملها المحبة والكراهة ، بل رب مراد محبوب ورب مراد مكروه . وإذا عرفت هذه المقامات : فقد ظهر لك توجيه الاشكالين المذكورين ،