تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
يقع في الوقيعة فيمن رد عليه ، وهكذا يسوقه الشيطان ويوقعه فيما هرب عنه قليلا قليلا وهو لا يشعر . وأما علامة صدقه في النصح للناس : أن يود أن يوجد أحد يهتدون به ، ولا يطمع في ثنائهم وأموالهم ، واستوى عنده مدحهم وذمهم إذ لا ينفعه مدحهم إذا لم يحمد اللّه ولا يضره ذمهم إذا اقترن به حمد اللّه ، وينظر إلى الناس كما ينظر إلى السادات من حيث يرى كلهم خيرا من نفسه ، وكما ينظر إلى البهائم من حيث قطع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم . فإن قلت : من بلغ هذه الرتبة في الخلق أعز من الكبريت الأحمر ، فإذا منع الناس عن الوعظ لانسد باب النصح ؛ قلت : ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذم باب الدنيا ولم يمتنع الناس عنها لشدة الدنيا في قلوبهم محبة وميلا ، وكذا رئاسة الوعظ ليست أمرا يتركها الناس بهذا القدر من التقبيح ، فان اللّه عز وجل يصلح خلقا كثيرا بافساد شخص واحد وأشخاص ، وان اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم . فان قلت : إذا فعل ما ذكرت من الأمور ، وترك النصح أو فعله ، وراعى طريق الصدق والإخلاص يبقى بين يديه أخطار الاغترار ، قلت : نعم ، قول الشيطان : قد أعجزتني وأفلت مني بذكائك وكمال عقلك وقد قدرت على جملة من الأولياء والكبراء ، وما أعظم عند اللّه محلك إذ قواك على قهري ؛ فعند ذلك يعجب بنفسه من فراره من الغرور كله ، والعجب أعظم من كل ذنب . فإن قلت : فإذا خلص من العجب المذكور فأي شيء يخاف عليه ؟ قلت : يخاف عليه من الغرور بفضل اللّه والثقة بكرمه والأمن من مكره ، حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل ويأمن مكر اللّه ، والأمن من مكره تعالى خسران عظيم ، بل اللائق أن يرى الكل من فضل اللّه ، ولا يأمن من مكر اللّه ، ولا يغفل عن خطر الخاتمة ، وهذا خطر لا محيص عنه ، وخوف لا نجاة منه الا بعد مجاوزة الصراط ، فنسأل اللّه حسن الخاتمة فأن الأمور بخواتمها والسلام .