ثم هذه الصناعات تفتقر إلى أدوات والآلات ، وهي : إما أن تؤخذ من النبات وهي الأخشاب ، أو من المعادن كالرصاص والحديد ، أو من جلود الحيوانات .
فاحتيج إلى ثلاثة أنواع من الصناعات : النجارة وهي العمل في الخشب ، والحدادة وهي العمل في المعدن ، والخرز وهي العمل في جلود الحيوانات . فهذه هي أمهات الصناعات .
ثم لما كان الانسان مدنيا بالطبع احتاج إلى معاشرة الزوجية لبقاء النسل ، وإلى المعاونة في الصناعات إذ لا يتولاها واحد من الناس ، والا لبطلت المصالح ، إذ الطعام يحتاج إلى حراث وطحان وخباز ، واللباس إلى حراثة القطن والغزل والنسج وهكذا .
وحدثت من هذا الاجتماع صناعات أخر ، منها : صناعة الحكم وفصل الخصومة بالعدل ، ومنها : صناعة الجندية لحراسة البلد بالسيف ودفع اللصوص عنهم ، ومنها : الحاجة إلى الفقه وهو معرفة حدود اللّه تعالى .
ثم أن أهل الحرب لو اشتغلوا بطلب القوت فاتهم حراسة الملك ، فمست الحاجة إلى امدادهم بالأموال كمال الجزية والخراج ، فاحتيج إلى من يدبر تلك الأموال إلى الجباة والخزان والكتاب والعمال والحساب ، ثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة فاحتيج إلى صرفهم من مال الخراج شيئا يكفيهم فصاروا فرعا لأهل الحرب .
فانحصر الناس في صنائعهم في ثلاث :
الأولى : الفلاحون والرعاة والمتحرفون .
الثانية : الجندية الحماة لهم بالسيوف .
والثالثة : المترددون بين الطائفتين في الأخذ والإعطاء ، وهم العمال والجباة وأمثالهم .