كالقوت من الطعام وما يستر العورة ويقي من الحر والبرد من اللباس ونحوهما ، وهذا متردد بين القسمين ، لأنه ان جعله وسيلة إلى الثاني صار من أعمال الدنيا . ولا يبقى مع العبد بعد الموت الا صفاء القلب وطهارته ، وذلك بالكف عن الشهوات والانس باللّه ، وذلك لكثرة ذكر اللّه والمحبة للّه ، وذلك لا يحصل الا بالمعرفة وهي تتولد من الفكر .
واعلم : ان الدنيا عبارة عن أعيان موجودة ، للانسان فيها حظ ، وله في اصلاحها شغل فهذه ثلاثة أمور :
أما الأعيان : فهي الأرض وما عليها من المعادن والنبات والحيوان ؛ أما المعادن : فللآلات والأواني كالنحاس والرصاص ، أو للنقد كالذهب والفضة وغير ذلك ؛ وأما النبات : فللباس وللتداوي والغذاء ؛ وأما الحيوان : فللأكل والركوب والزينة ، وأما الإنسان : فللخدمة كالغلمان ، وللاستمتاع كالجواري والنسوان ، وأيضا : لطلب قلوب الآدميين للعز والجاه . ومجموع هذه هي الدنيا .
ثم إن للعبد معها علاقتين :
علاقته بالقلب : وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد ، ويتفرع عن هذه العلاقة : الأخلاق الذميمة ؛ كالكبر والحسد والرئاء والسمعة وحب الثناء والتكاثر والتفاخر .
وعلاقته بالبدن : وهو اشتغال باصلاح هذه الأعيان ، وهي جملة الصناعات والحرف التي شغل بها الخلق .
وتفصيله : أن الانسان مضطر إلى ثلاث : القوت والمسكن والملبس .
فالقوت للغذاء ولبقاء النوع ، والملبس لستر العورة ولدفع الحر والبرد والمسكن لدفع الحر والبرد ودفع أسباب الهلاك عن الأهل والمال .
فحدثت الحاجة إلى خمس صناعات هي الأصول : الفلاحة لتحصيل النبات ، والرعاية لحفظ الحيوانات واستنتاجها ، والاقتناص لتحصيل ما خلقه اللّه من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب ، والحياكة وما يحصلها من الغزل ، والخياطة فللملبس .