السابعة : التجارب . إذ العقل الغريزي كاف بها في مصالح الدين والدنيا ، فينبغي أن يتعلم أولا ويحصل ما يكفيه من التجارب ثم يعتزل . ومن جملة ذلك : الأخلاق الذميمة في النفس من الحقد والحسد والغضب ونحو ذلك ، فإنها دفينة في النفس بما يسلم المعتزل عنها ويظن نفسه خالية عنها ، وعند المخالطة تتحرك ويظهر خبثها فلها في إظهار الخبائث فائدة جليلة .
إذا عرفت فوائد العزلة وآفاتها ، فينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله ، ويقاس الفائت بالحاصل ، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل . وما وقع في مدح العزلة أو مدح المخالطة من كلام الصوفية والحكماء فليس ذلك على اطلاقه ، بل ذلك حكاية غالب أحواله ، فلا تغتر بذلك ، إذ لكل شخص حال ولكل حال حكم .
وأما آداب العزلة فهي : أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس أولا ، ثم طلب السلامة من الأشرار ثانيا ، ثم الخلاص من آفات الاختلاط ثالثا ، ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة اللّه رابعا ، ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل والذكر والفكر ، ليجتني ثمرة العزلة ، وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش عليه وقته ، وليكف عن السؤال عن أخبارهم والإصغاء إلى أراجيف البلد ، فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب .
وبالجملة : يقطع الوساوس الصارفة عن ذكر اللّه ، وليقنع باليسير من المعيشة والا اضطره التوسع إلى الناس ، وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه اليه عن كد المواظبة في اليوم ساعة ففيه عون على بقية الساعات . ولا يتم له الصبر في العزلة الا بقطع الطمع عن الدنيا وما في أيدي أهلها ، وطريق ذلك أن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم واحد ، والا فلا يسهل عليه الصبر عشرين سنة أو قدر تراخي الأجل .
وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة ،
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 276
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٧٦