السادسة : الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقاء ومقاساة أخلاقهم فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر . وأيضا : في رؤية الثقيل خوف ارتكاب غيبته واستنكار ما هو صنع اللّه تعالى .
وفي العزلة أمان من جميع هذه الآفات .
المطلب الثالث آفات العزلة
وهي سبع :
الأولى : التعليم والتعلم . وهما أعظم العبادات ولا يتصورا الا بالمخالطة ، والعزلة قبل تعلم المفروض من العلم عصيان ، فمن يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل غاية الخسران ، ولذلك قال النخعي وغيره : تفقه ثم اعتزل . الا أن المراد ينبغي أن لا تكون إقامة الجاه والاستكثار بالأصحاب والأتباع ، والتقدم على الأقران ، والتقرب عند السلطان ، وتولى الأعمال ، واجتلاب الأموال ، لأن هذه الأمور هلاك الدين .
وأيضا : أن يتعلم علما هو سبب لإثارة الخوف من اللّه ، لا ما يتوصل به إلى أفحام الأقران والمنافسة والمباهاة : كطلب الكلام الجدلي ، والفقه الخلافي ، والمواعظ المزخرفة ، إذ العزلة خير من تعلم هذه . فإن صودف طالب للّه ومتقرب إلى اللّه ، فالاعتزال عنه وكتمان العلم عنه أكبر الكبائر . الا أن مثل ذلك في بلد كبير في زماننا هذا واحد أو اثنين .
ولقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال : دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك ، فليس لك منهم مال ولا جمال ، اخوان العلانية أعداء السر ، إذا لقوك تملقوك وإذا غبت عنهم سلقوك ، ومن أتاك منهم كان عليك رقيبا وإذا خرج كان عليك خطيبا ، أهل نفاق وغيبة وغل وخديعة ، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال ، وان يتخذوك سلما إلى أوطارهم وحمارا