ولن يتسع للجمع بين المخالطة ظاهرا والاقبال على اللّه سرا الا قوة النبوة فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ، ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء اليه . وقد نقل عن الجنيد أنه قال : أنا أكلم اللّه منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم . وهذا انما يتيسر للمستغرق بحب اللّه استغراقا لا يبقى لغيره فيه متسع ، وهذا غير منكر إذا الإنسان ربما يلقى همه في أمر من أمور دنياه ويخالط ولا يحس بهم ولا يسمع أصواتهم ، وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء من ذلك .
وإذا عرفت ذلك : فمن تيسر بدوام الذكر الأنس باللّه أو بدوام الفكر تحقق في معرفة اللّه فالتجرد له أفضل ، فإن المطلب الأعلى ان يموت الانسان محبا للّه عارفا باللّه ، وأصل ذلك الخلوة والعزلة .
الثانية : التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الانسان لها غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة ، وهي أربعة :
أحدها : الغيبة . وهي التي يتفكه بها الانسان ويتنقلون ، فهي طعمتهم ولذتهم ، فأما وافقتهم أثمت ، أو سكت فكنت شريكا لهم ، والمستمع أحد المغتابين ، أو أنكرتهم فأبغضوك واغتابوك فازدادوا غيبة إلى الغيبة ، وربما انتهوا إلى الاستخفاف والشتم .
وثانيها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فهو أصل من أصول الدين ، فإن سكت عصيت اللّه تعالى ، وان أنكرت تعرضت لأنواع من الضرر ، وربما يجره طلب الخلاص منها إلى معاصي هي أكثر مما نهى عنه ابتداء .
وثالثها : الرئاء . فهو الداء العضال الذي يعسر التحفظ على الأوتاد والأبدال ، وكل من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راياهم ، ومن راياهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا . وأقل ما يلزم فيه النفاق ، فأنك ان خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما بوجه توافقه صرت بغيضا اليهما جميعا ، وان جاملتهما كنت شرار الناس . وأقل ما يجب في مخالطة الناس اظهار الشوق والمبالغة فيه ، ولا يخلو ذلك عن كذب إما في الأصل أو في الزيادة ، واظهار
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 271
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٢٧١