تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك : كيف أنت كيف أولادك وأنت فارغ القلب من همومهم ، وذلك نفاق محض . ورابعها : مسارقة الطبع لما يشاهد من أخلاق الناس وأعمالهم . فهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين . ومن جالس فاسقا مدة يرى في نفسه أنه لا يستثقل الفساد مثل استثقاله قبل ذلك ، إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع ويسقط استعظامه ، فإذا طالت صحبته أوشك أن يتخلل القوة الرادعة ويذعن لطبع للميل اليه أو دونه ، ومن طال مشاهدته للكبائر استحقر الصغائر من نفسه ثم أثم بالغا ما بلغ . الثالثة : الخلاص عن الفتن والخصومات ، وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها ، وقلما تخلو البلاد عنها . الرابعة : الخلاص من شر الناس من الغيبة وسوء الظن بك والتهمة عليك ، والاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها ، وربما يسيئون الظن بسبب توهمهم ، قال المتنبي :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته * وأصبح في ليل من الشك مظلم
الخامسة : ان ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عنهم . أما انقطاع طمعهم عنك ففيه كل الجدوى ، لأن رضا الناس غاية لا تدرك ، فاشتغال المرء بصلاح نفسه أولى ، ومن عمم الناس كلهم بالحرمان رضوا عنه كلهم ولو خصص استوحشوا . وأما انقطاع طمعك عنهم : فان من نظر إلى زهرة الدنيا وزينتها تحرك حرصه وانبعث بقوة الحرص طمعه ، ولا يرى الخيبة في أكثر الأطماع فيتأذى به ، ومهما اعتزل لم يشاهد ولم يشته ولم يطمع . ومن شاهد زينة الحياة الدنيا فأما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر ، والصبر أمر من الصبر ، ويحتال في طلبها فيهلك في الدنيا بالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات ، وفي الآخرة بايثاره متاع الدنيا على ذكر اللّه تعالى .