ومن ذلك : التعليم والنصيحة ، إذ الحاجة إلى العلم فوق الحاجة إلى المال ، فإذا وجب مواساته وجب مواساة العلم بالطريق الأولى . وان لم يعمل بعد تحصيل العلم بعلمه فعليك نصحه لكن في الخلوة لما ذكرناه ، ولا تظنن أن في ذكر العيوب ايحاش القلب فلا يكون من حقوق الأخوة ، لأن الايحاش في عيب يعلمه صاحبه ، وان لم يعلم فهو عين الشفقة . وأما ما يعلمه ولا يقدر على دفعه فلا يكشف سره فيه ان كان يخفيه ، وان كان يظهره فلا بد فيه من النصح ، بالتعريض تارة وبالتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى ايحاش ، وان علمت أن النصح غير مؤثر وانه مجبور عليه فالسكوت عنه أولى .
وأما ما يتعلق بتقصيره في حقك : فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه ، فالتعريض ليس من النصح في شيء . نعم ان كان بحيث يؤدي استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة ، والتعريض به خير من التصريح ، والكناية خير من المشافهة ، والاحتمال خير من الكل .
الخامس : العفو عن الزلات والهفوات . والهفوة اما في دينه أو في حقك .
أما الأول : فعليك التلطف في نصحه بما تقيم أوده وتجمع شمله وتعيد إلى الورع والصلاح حاله ، فإن لم تقدر وبقي مصرا فقد اختلف فيه الصحابة والتابعون ؛ فذهب أبو ذر إلى الانقطاع ورأى ذلك من البغض في اللّه ؛ وأما أبو الدرداء وجماعة من الصحابة فذهبوا إلى خلافه ، وقال أبو الدرداء : إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك ، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى ؛ وقال إبراهيم النخعي : لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه ، فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غدا ، وكم من أخ زل ولم يتغير عليه أخوه حتى صار باعثا على هدايته ، ولعله لو ترك لكان باقيا على ذنبه .
وأيضا : هذا وقت حاجته وعقد الأخوة مرصدة لوقت الحاجة ، وأي حاجة أشد من فقر الدين . فهذه طريقة قوم ، وهي ألطف وأفقه من طريق أبي ذر ، وطريقته أحسن وأسلم ، والأكثرون على خلاف أبي ذر حتى قال الشاعر :
وأغفر عوراء الكريم ادخاره * واعرض عن شتم اللئيم تكرما